من وراء حجاب
بقلم: نعمة رشاد حسن
30 يناير 2021
يومٌ مشمسٌ على غير العادة ، قلتُ لنفسي وأنا أفتحُ شباك الردهة الشرقية بعد يومين من العواصف والأمطار وقد جلسنا أنا وهي في جلستنا الأسبوعية نتحدث . كانت تمسك بيدها فنجان قهوتي غير المحلاة ، وقد تراكمت دوائر بُنٓه في بقع بلا ترتيب ، متأملة إياها بتمعن صانعة منها قصصا لا تنتهي..
-عليكِ بالحذر ؛ هناك من يترصدك ، أترين هذه عينه ها هنا ..انظري ..
حدقتُّ بالفنجان الفارغ مجتهدةً ؛ علٓني أرى ما تراه ولكني لم أرَ شيئا فأكتفيتُ بهمهمةٍ غير مفهومة بينما استرسلت هي مكملةً حكايتها عن ظل يهيم بحثا عني ..
-اممم ..هذا عريس أكيد ..
-آها ..ولم لا يكون عدوًّا؟ أو لعلّه ..وضيّقت عيني بخبثٍ مصطنع ..أمن الدولة! ..لم تلتفت صديقتي وأكملت
– انظري لانحناءةِ ظهره ..هذا رجلٌ جنتلمان فعلاً ..يقدّم لكِ الورد ! ..
-هل رأيتِ الورد أيضًا؟ ما شاء الله ! ..
-نعم انظري جيدًا .. باقةُ وردٍ جميلة..
-آها ..قلتها كاتمةً ضحكتي الشريرة ..ثم أردفت باستهزاء ..
-حمراءُ كما أحب ..جنتلمان فعلًا ! ..نظرت لي من تحتِ نظارتِها متعجبةً من جهلي ؛ فيقينُها بتلك الأمورِ لا يتزعزع ، والحقّ أنّي لا أُنكر براعتها في توقعِ الأحداث ولكنّي أَرى الأمر مجردَ صدفة وربما فراسة لا أعرف بالضبط .. لكني أوقن أن الفنجان وما شابهه من الأمور مجرد إسقاط نفسي لا أكثر ..قاطعتْ أفكاري صارخةً بيأس ..
-أعرف.. أعرف ..لا فائدة منك ..ثم أردفت ملتاعةً
– يا الله ! .. لقد جاوزت الساعة الثالثة عصرًا ..ثم قامت مسرعةً ململمةً حاجياتها ..
– سيعود الأولاد بعد قليل ..فقلتُ لها ضاحكةً :
-العجلةُ من الشيطان يا حبيبتي .. نظرت لي شذرا وهي تنطلق خارجةً بسرعة ..ثم وقفت لدقائق أخرى على الباب مترجية إياي زيارتها وكم أن الأولاد يفتقدونني ، حاولت طمأنتها ومهادنتها قدر الإمكان وإن كنت أشك في قدرتي على رد زياراتها التي تتراكم عاما بعد عام ..بينما أقاوم رغبتي في الوحدة وخوفي من الخروج من جدران منزلنا العتيق المتآكل.
ودعتها وعدت أدراجي لإنهاء الغداء وتنظيف الأواني لتدق ساعتي الخامسة مساء ..
-مهما حدث لا تتخلصي من تلك الساعة ..إنها قيّمة للغاية .
– ولكنها مزعجة جدا يا أبي ..ابتسمتُ وقهقهاته تتردد في المنزل الخاوي .. تنهدتُ في حزن وشلال الذكريات يتدفق ..
-والدك يحب التحف إذن ..نعم .. ليكن ..انظري لهذه ..كان هذا الجاليري الخامس الذي أبحث فيه عن هدية لوالدي في عيد ميلاده الستين
-ما هذا ؟ طبق ! ..ضحك الرجل ..
-نعم ..طبق ينتمي للقرن الخامس عشر و..قاطعته ..
-لا أريد مثل هذه الأشياء ..ألا يوجد لديكم شيء مختلف ..نظر لي لثوان ..ثم قال ..
-ما رأيك بهذه الأباجورة؟ ..كانت من الزجاج الملون والنحاس
-نعم ..هذه رائعة ولا أظن أن أبي يملك مثلها .. كانت فرحة أبي عظيمة .. حتى أنه أصرّ على أن يضعها بجواره وكان يعتني بها عناية خاصة
-أحبَ الهدية إذن؟ ..سألني دون اكتراث كعادته
قلت متجاهلةً بروده المتعمد ..
-نعم ..بشدة
كان هذا الرجل الوحيد الذي وثقتْ بقربه ولكنه رحل فجأة دون رسالة وداع واحدة! .. عشر سنوات مرت على الرحيل لم تعرف قط لم وأين رحل ..حزنتْ كثيرا وفقدت برحيله غير المبرر كل اهتمامها بالعالم الخارجي حتى أنها أغلقت باب بيتها عليها رافضةً الخروج لأي سبب كان . ظل أبوها همزة الوصل بينها وبين العالم الذي عافته ، حتى توفي منذ أشهر وصار لزامًا عليها العودة للعالم الذي تكرهه.
-رهاب الخروج من المنزل ..علل الطبيب النفسي ما تمر به بصدمة ما أدت للخوف الشديد من الخروج والتعامل مع البشر .. تابعت العلاج لفترة تحت ضغط أبيها الذي كان لها كل شيء أب وأم وأخ وصديق ..إلا أن حالتها لم تتحسن كثيرًا.
تنهدت بحزن وهي تلمس قطع الأثاث والديكور الفاخر الذي تفنن أبوها في جمعه على مدار سنوات ، فقد كانت هوايته الوحيدة بعد وفاة أمها في حادث مفاجئ بعد ولادتها بسنوات خمس .
منعتها الذكريات من الالتفات للظلام الذي انتشر سريعًا حولها، أنارت مصباحا صغيرا ثم فتحت الشباك العتيق .. كانت السماء قد تآكلت حولها بفعل العمارات الجديدة التي استعمرت شارعهم دون رحمة بينما تصاعدت أصوات العربات والمارة في لحن غريب افتقدته لسنوات لم تعدها .
-اخرجي يا ابنتي للحياة ، ما فات مات ، أخشى عليكِ من الوحدة بعد رحيلي .
رنت كلمات أبيها الأخيرة بأذنها ونسائم ديسمبر الباردة تلفح وجهها فتطير بضعة شعرات من شعرها الذي أبيضٓ معظمه منذ زمن بعيد.
وبتردد كبير ارتدت فستانا أبيض اللون وعقصت شعرها تحت حجاب جميل متعدد الألوان والتحفت بشال صوفي خفيف . أخذت نفسا عميقا كما علمها الطبيب وبدأت في التحرك بهدوء للباب المغلق وكلما اقتربت من الباب زادت سرعة أنفاسها وعلا صوت ضربات قلبها بينما تتساقط الصور والأحداث من حولها .. صوت أمها الذي لا تتذكر منه سوى جملة واحدة بشريط عيد ميلادها الثالث ونغبشات الصديقات اللاتي اختفين واحدة تلو الأخرى ما بين زواج وحمل وسفر ..لم تبق لها سوى واحدة لازالت تتحمل طباعها الغريبة محاولة قدر جهدها أن تعيدها للحياة .. صور حبيبها وصوت كلماته الهازئة
-وزنك قد زاد كثيرا ..يا للغباء.. ما هذا اللون ؟ غير لائق أبدا .. دراسات عليا ؟ ولم ؟ لست زويل على ما أظن ! .. ما هذا القرف ؟ لا تحاولي الكتابة مرة أخرى ! . وغيرها الكثير والكثير من الكلمات المسمومة التي تحملتها لأجل إرضائه ثم في النهاية رحل دون وداع ودون كلمة اعتذار ..
– ما هذا الهراء !..قالتها صديقتي ثائرة وقد أصررت على عدم الخروج من البيت مطلقا ولأي سبب ! ..
-هذا التافه لا يستحق سوى الدهس ! ..
صوت صرير العربة وهي تدهس والدتها العائدة توا من السوق ونحيب أبيها على جثتها بينما وقفت تشاهد المشهد غير واعية حتى أخذتها إحدى الجارات بعيدا
تعالت الأصوات وتداخلت وخطاها تتباطأ كلما اقتربت من الباب الذي بدا وكأنه ببعد آخر غير ملموس
فجأة توقف كل شيء ويدها تلمس المقبض ..أخيرا ..قالها أبوها مبتسما .. هكذا ابنتي الجميلة لا تستسلم بسهولة
ابتسمت أخيرا وهي تفتح الباب بإصرار ولأول مرة تضغط زر المصعد بأريحية وشوق شديد لرؤية الشارع الذي تابعته كثيرا من وراء حجاب.
شاهد التالي
مايو 14, 2026
زواج في مهب الريح
مايو 14, 2026
إنسانية مستترة
مايو 14, 2026
مرآة الروح إجابة لم تكتمل
مايو 14, 2026
أحبك والبقية تأتي
مايو 14, 2026
سيري الهوينة
زر الذهاب إلى الأعلى