التربية الأخلاقية أساس التنمية

بقلم: رانيا منصور
تُعد كلٌ من التربية القويمة والأخلاق الحميدة الأساس في بناء الفرد، الذي بدوره هو اللَّبنة الأساسية في بناء المجتمع، وهذا ما فطِن إليه المختصون عندما أطلقوا اسم “التربية والتعليم” على الوزارة المنوط بها تربية وتعليم النشأ، فالتربية مقدمة على التعليم إن لم يكونا صنوان ووجهين لعملة واحدة يسيران بخُطًى متوازية.
وقد قال رسولنا الكريم: “إنما بُعثتُ لأُتمم مكارم الأخلاق.” صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، مؤكدا أهمية الأخلاق على ما عداها، وأنها تتمم كل الثوابت الأخرى من حولها متى استقامت، ومن هنا ندرك الأهمية القُصوى التى يوليها ديننا الحنيف إلى مكارم الأخلاق.
وقال أحمد شوقي:
إنما الأُممُ الأخلاق ما بقيت
فإن هُم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فالتربية تشمل الأفعال والأقوال والسلوكيات المحمودة التي تقوم عليها حضارات ونهضة الأمم،
فعلى سبيل المثال، نرى دولة اليابان أو كما يطلق عليها “كوكب اليابان”، نظرا لتقدمها وتطورها المذهل،
نجد أن نهضتها قامت على أسس أخلاقية أولا ثم تعليمية، حيث أنها وضعت منهجًا تربويًا من الصف الأول إلى الصف السادس الابتدائي، يكون فيه لزامًا على الطفل دراسة كتاب بعنوان “الطريق إلى الأخلاق”، وجعلته منهجًا إلزاميًا يدرس فيه الطفل الأسس والمباديء الأخلاقية حتى تصير له ركيزة ومنهج حياة.
فلقد رأى علماء التربية أن أهم فترة من فترات تعليم وتكوين إدراك الطفل تكون في الست سنوات الأولى من عمره، والتي يجب أن نرسم فيها منهج وأساس التربية والأخلاق بتخطيط مدروس في صفحة مخ الطفل البيضاء من سلوكيات وكلمات وأفعال، تكون هي النواة التي تؤهله أن يكون فردًا صالحًا في المجتمع،
وعلى مر العصور نجد جليًا أن ازدهار أي حضارة واندثارها مبني أولًا على تربية المجتمع وأسسه الأخلاقية، وليس على أساس التعليم والتقدم الاقتصادي فقط، فما جدوى العلم بلا ضوابط أخلاقية وتربوية تدعمه؟! فالانهزام الأخلاقي دومًا هو السوس الذي يفُت عَضُد المجتمعات.
ونجد أن جميع الأديان السماوية قد دعت إلى مكارم الأخلاق، ووضعت الأسس القويمة التي يجب أن تكون أساسًا للتعايش والاستمرار في كل المجتمعات، بل هي منهاج حياةٍ صالح لكل الأزمان والأماكن.
وقد أدركت بعض الدول ذلك المفهوم الراقي وتلك الأهمية للتربية، وأعلنت شعار الاستثمار في الانسان أولًا،
فبناء الإنسان أولًا دائما ثم بناء المكان، ويُذكر أن الصين قضت ستمائة عام في بناء سورها العظيم لحماية أراضيها من الأعداء لكنها غفلت عن أن بناء الإنسان هو الحماية الحقيقية لأي دولة، فما كان إلا أن دخلها الأعداء من أبواب السور بمنتهى البساطة بعد رشوة الحراس على البوابات، فما نفعها البناء العظيم حينذاك، لأنها غفلت عن تسليح أبنائها بالأخلاق والتربية والانتماء للوطن، في حين أنه في سنغافورة حينما بدأت نهضتها عام 1960 -وكانت في أشد حالات الفقر والضعف والتأخر الحضاري والأخلاقي- اجتمع رئيس الوزراء “لي كوان يو” بالمعلمين وقال لهم “ابنوا لي الإنسان وأنا سأتكفل ببناء المكان”، فأولى المعلمين مكانة مرموقة ومنحهم مرتبات مجزية لأنهم الركيزة التي ستبني، وتربي، وتعلم المجتمع، وسن القوانين والأسس المجتمعية التي من شأنها أن ترتقي بشعبه أخلاقيًا أولًا ثم علميًا، فنرى الآن ثمار هذا الفكر الراقي والأساس الناجح، في تقدم سنغافورة المذهل من نمو اقتصادي ودخل قومي، ودخل الفرد فيها من أعلى المعدلات عالميًا، وفي نفس الوقت نجد أنهم من أشد المجتمعات حفاظًا على النظام ،والنظافة، والقوانين، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل أن التربية والأسس الأخلاقية هي حقا كانت وستظل دومًا المفاتيح الأساسية لقيام التقدم والتنمية في أي مجتمع.













