أدبي

عروس البحر (الإسكندرية)

عروس البحر (الإسكندرية)

بقلم: محمد السيد الاسكندراني

في صيف إسكندريتنا، والشمس حارقةٌ

والحرارة في ازديادٍ، والزحام شديد

وفي نهاية عملٍ شاقٍ ولذيذ

أغدو إليه متمايلاً، فالبال صافٍ

والقلب أبيضٌ مرتاحٌ

والنفس مبتهجة بيومها الجديد

وأروح عنه متعباً ثقيلاً

أشتاقُ لسريرٍ يحملني، ولأم تطعمني

ولزوجٍ حانيةٍ من عشقها تسقيني وتطربني

وتنادي عليَّ باسمي مجرداً (محمد)

بدون رتبةٍ ولا لقبٍ يثقلني

وأنا في طريقي عائِدٌ وحالمٌ بما فات

فوجئت بزحامٍ يدفعني وسط الجماهير الغفيرة

والملايين المحيطة؛ لركوب باصٍ مزدحمٍ

لأجد نفسي ملقىً على كرسيٍ متهالكٍ

أشبه بخشبة دفنٍ

تحملُ ميتاً لمثوىً وقبر

ولحظِّي تلك المرة المرَّة

وجدتني جالساً بجانب

إحدى نافذات الباص العجيب

استنشق ما بقي من أكسجينٍ

بلعه وأنهاه إخوتي في البشرية

وجيراني في سُكنى عروس البحر الإسكندرية

وإذ فجأة أنظر لأرى عروساً حورية

تطلُّ بشعرها الأسود ووجهها الأكحل

مليحةٌ ووجيهةٌ تضحك بدون ضحكٍ

فالبشرة صافية والقلب شامة عالية

فإذا بنسماتِ ربيعٍ تزور وجهي

وتشرف على جسدي تداعب وتهدهد

وجو بارد لذيذٍ يتغشاني ويغني

وسط ذاك الزحام والأجواء النيرانية

وأنا أتابعها متأملاً من نافذة مقبرتي!

لا أريد لذلك التكييف الرومانسي أن ينتهي

وهي تسير غير منتبهة لشخصي الذي يعاني

فأنا ميتٌ؛ وهي حوريةٌ حيَّة

فكيف لحيٍ يبصر ميتاً أمامه

أم كيف لربيع يعبر صيفاً وزحامه

وسارت وانطلقت وفاتت

بسيارتها مسرعة

تاركةً جثتي متهالكة

في أحد باصات الاسكندرية الفاتنة العدنانة!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي