مقالات متنوعة

إلى متى التدني؟

كنا مثل جسد واحد..

إلى متى التدني؟!

بقلم: ناجح شرقاوي

كنا في الماضي القريب على قمة الهرم الأخلاقي، أتذكر وأنا طفل صغير وأركب مع أبي – رحمه الله تعالى – الترام، وكان إذا صعدنا إلى عربة الترام يقول للمحصل ” تذكرة لو سمحت من فضلك يا سيد” ، وكانت النساء على مختلف ثقافتهن تقول إحداهن لجارتها إذا تحدثت عن زوجها ” سي فلان” ومنهن من إذا حدثت من لم تعرف تقول ” الأفندي بتاعي” وكانت مباريات كرة القدم في الاستاد ليس لها حدود بين جمهورين الأهلي والزمالك، بل كان يجلسون جنبا إلى جنب، ومن يخسر يقول للآخر مبروك والفائز يقول ” هارد لاك، انتوا لعبتوا حلو النهاردة وكنتوا تستحقون الفوز”، وبعد ذلك يكملون سهرتهم على القهوة، وإن كان الخميس الأول من الشهر فتكون السهرة في بيت أحدهم الذي يسع للجميع دون تنمر أو تزمر أو حقد من أحدهم على الآخر.

كانت خطوبة ابنة الجيران على أحد الغرباء عن المنطقة تعني حضور كل أهل الحي كأسرة واحدة حتى يعلم الغريب أن لها أهل ليس لهم عدد، كان الجار يشعر بجاره، كان ” الطبق الداير على العمارة” يجعل من ليس له قوت يوم من الأيام لا يشعر بالجوع ولا الحرج، كنا نلتمس الأعذار، ومن غاب يوما أو ساعة من نهار، يشعر الجميع بغيابه فيسألون عنه، بنت الجيران كانت أخت لكل رجل وصبي في المنطقة، ولا يجرؤ أحد على اعتراض طريقها أو النيل منها ولو لفظا، كنا نحتمي ببعضنا البعض، فقد كنا لحمة ونسيج واحد.

كنا مثل الجسد الواحد..

 كنا كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم-: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ، وتَرَاحُمِهِمْ، وتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى له سَائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى»، فكان كل منا يشعر بوجع الآخر، ويفرح بفرح الآخر، فما الذي حدث لنصل إلى هذا التدني الأخلاقي؟

يتعالي

المال على الفقير ويضغط عليه، ويسيمه سوء النظرات والتهكمات والتمنر حتى يدفع ضعفاء النفوس منهم للسرقة وربما القتل، ويتعالى صاحب الشهادات والتعاليم العالي على من لم يحصل من التعليم – وليس العلم فكم من فقيه غير متعلم وحافظ للقرآن وأحاديث النبي- إلا الابتدائية، وصاحب الملابس ذات الماركة ممن يرضى بما يستره وفقط، وأصبح التراشق بالعبارات والسباب شيئًا عاديًا على وسائل التواصل الاجتماعي فيسبوك وغيرها، حتى أنه ظهر ما يسمى بـ ” التويتة الفشيخة”، والله أنا في قمة الخجل أني كتبتها بيدي في حين أن بعض النساء أصبحت في الكلام العادي بينها وبين أي صديق رجل كان أو امرأة، فبات عاديًا جدًا أن تحكي عن أنها أُهلكت في أمر ما فتقول وتكتب على حسابها ألفاظًا يندى لها الجبين.

 يا إلهي! أإلى هذا الحد انحدرنا؟!

الطامة الكبرى، الأهلي والزمالك، أصبحنا في غاية الإسفاف والتدني، معروف في الكرة أن أخطاء الحكام جزء من اللعبة، كل فريق يدافع عنها ويقبلها إذا كانت في صالحه، ويلعنها ويكاد يقيم الحد على الحكم إذا كان ضد فريقه، والتطاول على رموز لم يشك أحد أبدا في أخلاقهم عبر تاريخهم المضيء طوال فترة عطائهم في المستطيل الأخضر، حتى وصلوا إلى كرسي الرئاسة كـ ” الكاتبن محمود الخطيب” صاحب الخلق الدامس، الذي نال منه الكثير من أصحاب الأخلاقية القبيحة، والآن كل جماهير الكرة في مصر – إلا من رحم ربي – تحولوا، فبعد أن كنا نستمتع باللعب الجميل، كرة الزمالك الحلوة، والإسماعيلي برازيل مصر، والأهلي زعيم أفريقيا، والمحلة زعيم الفلاحين، والاتحاد زعيم الثغر، فمن منا أهلاوي كان أو زملكاوي ينسى “الكابتن” مسعد نور، و”المدافعجي” إينو الكبير، من ينسى قلب دفاع اسكندرية القلب الميت “بوبو”،

من ينسى الجارم وعمر عبدالله وشوقي غريب، من منا لم يحب علي خليل وطه بصري والخواجة وحسن شحاتة، من ينسى مشهد هو الأورع في الملاعب المصرية، عندما كانت الجماهير تنادي “عايدة، عايدة” لحظة نزول المعلم حسن شحاتة أرض الملعب “يقصدون عايدة رياض الراقصة كونها أخت زوجة حسن شحاتة”، وكان لقاء بين الأهلي والزمالك في استاد القاهرة، فاستأذن الخطيب من الحكم وأخذ بيد حسن شحاتة وذهب به لجماهير الأهلي والزمالك ليقولا لهم أننا إخوة ولا يجوز مثل هذه الأفعال، فوصلت الرسالة للجماهير وفهمتها فنحن أهل عقل وحكمة، فتحترم الجماهير هذا ولا تعود إليه مرة أخرى.

ولكن انظر الآن، أصبحت مشاعرنا ليس لها قيمة ولا ثمن، سمعنا عن مشجع زملكاوي مات في المدرجات، لأن الضغوط أصبحت غير محتملة، أصبح على الإنسان أن يعيش في مجتمع بلا أخلاق ولا وازع ديني يرده إلى الحق والصواب، فإلى متى هذا التدني الأخلاقي يا مجتمع الفضيلة والأخلاق؟!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي