البحث عن الحقيقة ( على الأسلوب القرآني) يكتبه / محمدشبكة الإنسان من هذا العالم المدهش في بحر من المجاهيل لا ساحل لها وقد دفع إليه ضعيفا قاصرا ، وحكم عليه بأن يعيش فيه ، فاحتاج للعلم به منه والعلم لا يسمى علما إلّا إذا كان حقيقة ، فاضطر الإنسان بحكم فطرته أن يبحث عن الحقائق التي تمس حياته الجسدية أولا ليتمكن من حفظ شخصه ، فلما آمن على جثمانه وتيقظت فيه قواه الروحية رأى أن محض الطمأنينة على جثمانه من عوادي الجوع والطبيعة ليس بشيء أمام ما يهدده من عوادي الهرم والشيخوخة والموت فأخذ يبحث عما عسى أن يكون له بعد الموت من حياة أو عدم ، فأداه ذلك إلى البحث عن خالقه وصانعه وأوصله ذلك إلى كل ما يسمى عند أهل الملل دينا ، من البحث عن صفات الخالق والرسل والوحي والفضائل والرياضات النفسية وهو يرى نفسه في حاجة كبيرة إلى إدراك وجه الحقيقة من كل ذلك ، فوالي البحث وأعمل الفكر فاختلفت الأحزاب ، وتفرقت الملل ، لأن لكل أمة مرامي ترمي إليها لا تتفق مع ما ترمي إليه جارتها ولكل طائفة من طوائف مصالح توحي إليها مقوماتها ، فقويت طوائف الرؤساء الدينيين وسموا أنفسهم بحفظة الحقائق وورثة المعارف وقام الإنسان على هديهم عمرا مديدا من حياته الطويلة ، ولم يزل كذلك حتى جاء دور الفلسفة اليونانية وسادت مذاهب قاداتها واحدا بعد واحد ، من سقراط فأفلاطون فأرسطو فأبيقور فزينون ولكل منهم مقالات وأسفار أودعوها مباحثهم لاستجلاء الحقائق ،ودام الحال كذلك حتى جاء بيرون فقرر بطلان كل تلك الأصول التي دعم عليها أولئك الفلاسفة مذاهبهم ، وأقام الشك قاعدة لمذهبه وزعم أنه لا يمكن الوصول إلى الحقيقة بهذا العقل القاصر وأن الإنسان في حكمه على الأشياء إنما يحكم بأهوائه ، ولولا ذلك لاتحد الناس كلهم على حقائق أوليه ثابتة فكان إن سأل عن شيء ، قرر ما يعلمه عنه مبتدئا تقريره بقوله يظهر لي ،غير جازم بصحة شئ أو بطلانه ولكن هذه الحركة الفلسفية الكبرى ركدت ريحها حين سقطت دولة الشعب اليونان، وعادت الظلمة الاولى للعقول وزادت تلك الظلمة إغراق اليونانيين في البذخ والترف عقب فتوحاتهم الواسعة فأرسل الله تعالى عيسى بالزهد في الدنيا ، والهرب عن علائقها ، ليحدث رد فعل اجتماعي في مصلحة الجمعية البشرية التي تجذبها الأمة الرومانية إلى ترف اللذات البدنية والعلائق الدنيوية غير حاسبةلما يتبع ذلك التطرف من هلاك الطبقة المحرومة من المال فاتبع عيسى عليه السلام نفر معدودون ثم اجتهد خلفائه في نشر مذهبه ، رغما عن الاضطهادات التي قامت في سبيلهم حتى ساعدهم الجد بأن تولى مملكة الرومان الملك كونستنتان الذي تولى بعد عيسى عليه السلام بثلاثة قرون وكان مسيحيا ، فأمر بهدم الهياكل الوثنية وإجبار الناس بالسيف على التنصر فدخل الناس في النصرانية وأدخلواإليها ما ليس منها فانعكست الأمور إلى أضدادها وحل البذخ محل التقشف والتكبر مكان الاستكانة حتى صار رئيس الكنيسة الذي كان يجب أن يكون كعيسى شظفا وزهدا لا يفترق عن الملوك المترفين في المأكل والملبس والمسكن فتشعبت الأحزاب وتوالى المتكلمون في الدين ممن عدوا مبتدعين ،وأبعدوا أو قتلوا كالمجرمين، وما كان أكثرهم إلّا من المصلحين المريدين تطهير الدين فعاد الحال ظلاما حالكا لا ترى فيه للحقيقة وجها حتى أرسل خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم بكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ناهجا للناس في وسط هذا الخلط المرتبك والضلال المشتبك ، شرعة للبحث عن الحقيقة لا يضل سالكها ولا يهتدي تاركها ، وجعل لها قسطاسا حكيما لا يختل توازنه ما دامت الحقائق موجودة