أدبيمقالات متنوعة

“تلك المرآة هي أنا” الحلقة 16

“تلك المرآة هي أنا” الحلقة 16

بقلم: الكاتب الروائي حسن العربي

رغم أنَّني في مكتبي وسيدة أمري إلا أنني شعرت باضطراب كبير حينما تقدم كمال وصافحني بحرارة وود شديد، وكان تلامس الأيدي هو الضربة القاضية التي اشعلت الوهج فى جسدي وارتفعت ضربات قلبي حتى شعرت أنه يستمع إليها، يا إلهي ماهذا الذي يحدث لي وأنا لم أعد شابة صغيرة أو مراهقة، حاولت أن أتمالك نفسي وبدأت أشرح له نتائج التحاليل والموقف تمامًا كما هو.

نعم كان يسمعني باهتمام شديد، لكنه أيضًا كان ينظر إلى تلك النظرة التي قد حفظتها تمامًا!

أهم شئ الآن هل هذه البقع تشكل أية خطورة على البنت؟

– أبدًا على الإطلاق إنها حساسية بسيطة خرجت فى صورة هذه البقع، والحمد لله فى طريقها للشفاء، وكما أخبرتك سنعطيها دواءً سينهي المشكلة تمامًا فى بضعة أيام.

تمام الحمد لله، مرت بسلام، كما أن وجودك عن قرب وموقفك الحاسم كان لهما أثرهما

فعلًا نحمد ربنا حمدًا كثيرًا على هذا لكن لابد أن أكتب ما حدث فى تقريري عن الواقعة.

أليس ممكنًا أن نقول فى التقرير أن صابرين ربما تكون قد أخطأت فى أقراص الدواء التي أعطيتها لها، ولا تنسي أنها ابنة عمي، صحيح فعلتها شنعاء وتستحق العقوبة، ولكن لا داعي للجهات الأمنية. 

نعم يمكننا أن نقول هذا، وتمر الحادثة، لكن علينا أيضًا مواجهة صابرين بخطورة فعلتها، فلا يجب أن يمر عليها الأمر هكذا عابرًا دون عقاب.

من المؤكد، حتى أنا قد قررت أن أبلغ والدها وأصارحه بما فعلت وأنا أعلم جيدًا أنه سيلقنها درسًا فهو معروف بشدته. مؤكد سوف أتصل به هاتفيًا وأصارحه بالموضوع كله.

هل تعلمين أنها تركت ورقة تقول فيها أنها ستهرب؟ تركتها على الطاولة لكنني لا أصدق وإلا فأين ستذهب.

لا أعتقد، على أية حال أوافقك على عدم ذكر موضوع المنوم للجهات الرسمية حتى لا تكون مشكلة كبيرة. وهو كذلك، إذن اتفقنا.

ثم فتحت درج المكتب وأخرجت أقراص الدواء التي كنت قد جهزتها لأعطيها له، وقف متعجلًا يريد أن يعود حتى لا يتأخر على البيت!

ثم بادرني:

كم ثمنه؟

لا تهتم بهذا الأمر، فثمنه لا يذكر على الإطلاق.

ربما قد يكون هذا بالنسبة لهذه الأقراص، لكنني لاحظت أن ورقة حساب المستشفى أيضًا كانت أقل بكثير مما توقعت وأعرف أنك وراء ذلك ألا يكفي هذا؟!

لا عليك كل ما يهمنا هو شفاء ريم … وليلى بإذن الله.

أنهيت الحديث عند هذا الحد ثم وقفت أودعه حتى وصل إلى باب الغرفة وخرج وظللت أنا أنظر إليه حتى غاب عن نظري.

فى طريقه إلى البيت كان كمال يقلب كل الأحداث التي مر بها في رأسه منذ تلك الليلة، ليلة مرض ليلى، ثم هذه المشاعر التي تولدت بينه وبين آمال، وعبثًا حاول أن يطردها من خياله، وتصرفات صابرين التي لم يتوقعها فى هذه الأزمة.

رغم الإجهاد الشديد إلا أن فرحة العودة إلى البيت كانت هي الغالبة، كما ارتسمت على وجهها علامات الرضا والإيمان الذي ملأ قلبها فتفيض من نور إيمانها على البيت بأكمله ولم يكن يشغلها لا المرض ولا العملية التي هي مقبلة عليها لأخذ عينة لفحصها ولا خطورة المرض بل لم تكن تخشى حتى الموت.

كل ما كانت تفكر فيه هو كيف ستسير الأمور إذا ما توفاها الله ومن يهتم بشئون المنزل ومن يهتم بزوجها الحبيب وبناتها من يرعاهن كما تفعل هي ومن يربيهن كما كانت تتمنى.

فقط كانت تفكر في الآخرين من حولها وكأن هذا فقط ما يزعجها.

أما آمال فقد حدث تطور فى حياتها فلم يعد العمل والمرآة والمقعد هم كل حياتها كما كان، إنما بدأت تزور ليلى كل يوم لتراها ولترى البنات فقد زاد ارتباطها بهن وحبها لهن كما لاحظت حبهن لها أيضًا، كما أن درجة حرارة الهمزات واللمزات بينها وبين كمال كانت تزداد يومًا بعد يوم.

لا شك أن وقوع مرض آمال في أثناء الأجازة الصيفية جعل المسألة أقل تعقيدًا، كما أن طبيعة عمل كمال كانت على الحاسوب ولم يكن مجبرًا أن يذهب إلى مكتبه كل يوم إلا فى حالات معينة مما، كان له أثر فى وجوده أغلب الوقت فى المنزل.

قام كمال بالاتصال بعمه هاتفيًا ليخبره بما فعلت صابرين وبأنه طلب من الطبيبة المختصة ألا تخبر الشرطة بما فعلت صابرين علما منه بأن عمه سوف يلقنها درسًا قاسيًا لكنه ما أن هاتفه بادرة عمه بالسؤال:

أهلا كمال كنت أود أن أتصل بك لأعرف أخبار صابرين فهي لم تتصل منذ أمس.

 لم تحضر بعد، يبدو أنها صدقت ما كتبت فقد تركت رسالة موجزة جدًا تقول فيها أنها ذهبت ولن تعود وتركتها لنا، وجدتها على الطاولة عند وصولنا من المستشفى. 

متي؟

أقول لك أمس عدنا من المستشفى أنا وآمال ولم نجدها فى البيت.

كيف ذلك وأين ذهبت؟ 

الحقيقة يا عمي أنها تركت هذه الورقة الغريبة تخيلت أنه طيش شباب ولم أعرها انتباهًا كتبت فيها “لا تبحثوا عني فأنا ذاهبة ولن أعود!” ولم أصدق كلامها.

ماذا تقول؟ 

اهدأ يا عمي ففي هذا السن تحدث أشياء كهذه، وإن شاء الله تعود بخير.

كيف تقول ذلك وتقول أنها اختفت منذ أمس، أين قضت ليلتها؟ ومع من؟ 

انتهت المكالمة بينهما على أن يتحروا عنها عند صديقاتها ويسألوا عنها فى كل مكان ممكن. 

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي