
” رُكوعٌ عندَ بوابةِ الكبرياءِ”
المشهدُ السادسُ
بقلم:هند زيدان
” تحتَ رمادِ الرجولةِ”
لَمْ يَعُدْ يَنْتَظِرُهَا أَنْ تَكْتُبَ،
بَلْ يَكْفِي أَنْ يَتَحَرَّكَ مُؤَشِّرُ آخِرِ ظُهُورِهَا…
لِتَشْتَعِلَ فِيهِ الْحَرَائِقُ.
صَارَ يَحْفَظُ تَوْقِيتَ أَنْفَاسِهَا،
وَيَحْسُبُ عَدَدَ مَرَّاتِ تَنَفُّسِهَا فِي الدَّقِيقَةِ،
يَقْرَأُ صَمْتَهَا كَمَنْ يَقْرَأُ كِتَابَ الْمَوْتِ…
وَلَا يَجِدُ فِيهِ عَزَاءً.
وَفِي لَيْلَةٍ مَمْزُوجَةٍ بِالْوَحْشَةِ وَاللَّهْفَةِ،
اشْتَعَلَتْ فِيهِ نَارٌ لَمْ تُخَلِّفْ لَهُ رَمَادًا…
بَلْ أَحْرَقَتْهُ حَيًّا.
رَآهَا… لَا، لَمْ يَرَهَا، بَلْ لَمَحَ ظِلًّا مِنْ ظِلِّهَا،
فَانْطَفَأَ مَا بَقِيَ فِيهِ مِنْ مُرُوءَةٍ،
وَسَقَطَ عَلَى قَدَمَيْهِ
كَمَنْ فَقَدَ آخِرَ مَا يُثْبِتُ أَنَّهُ ذَكَرٌ بَيْنَ الرِّجَالِ.
تَقَدَّمَ خَطْوَةً،
ثُمَّ انْكَمَشَ كَحَشَرَةٍ تَحْتَ الضَّوْءِ،
مَدَّ يَدَهُ كَمَنْ يَطْلُبُ شَفَقَةً،
ثُمَّ سَحَبَهَا،
خَشْيَةَ أَنْ تُصْفَعَهُ بِكَلِمَةٍ
كَمَا صَفَعَتْ كَرَامَتَهُ أَلْفَ مَرَّةٍ.
هُوَ الْآنَ بِلَا رُجُولَةٍ، بِلَا مُرُوءَةٍ، بِلَا اسْمٍ…
كَائِنٌ يُسَاقُ بِجَرَّةِ طَرْفِ عَيْنٍ،
وَيُحْبَسُ خَلْفَ كَلِمَةٍ،
وَكُلَّمَا قَرَّبَ نَفْسَهُ مِنْهَا،
لَفَظَتْهُ كَمَا يُلْفَظُ الرَّمَادُ مِنْ فَمٍ لَمْ يَعُدْ يَحْتَمِلُ مَرَارَتَهُ.
مَا إِنْ تُشِيرَ بِطَرْفِهَا…
حَتَّى يَخِرَّ رَاكِعًا،
كَأَنَّ الْإِشَارَةَ أَمْرٌ مُقَدَّسٌ،
وَكَأَنَّ الْكَرَامَةَ لَا وَزْنَ لَهَا حِينَ تَنْطِقُ عَيْنَاهَا.
لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ شَكٌّ فِي الْأَمْرِ…
مَا بَيْنَهُمَا لَيْسَ حُبًّا،
وَلَا عَلَاقَةً،
وَلَا ذِكْرَى حَتَّى…
بَلْ حَبْلٌ مِنَ الذُّلِّ يَشُدُّهُ
كُلَّمَا أَوْشَكَ أَنْ يَبْتَعِدَ.
وَكُلَّمَا شَدَّهُ، خَنَقَ رُوحَهُ أَكْثَرَ…
وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَقْطَعُهُ،
بَلْ يَتَوَسَّلُ بِهِ، كَأَنَّ مَا يُهِينُهُ
صَارَ الْمَأْوَى الْوَحِيدَ الَّذِي يَعْرِفُهُ.
وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ…
قِيلَ إِنَّهُ تَكَسَّرَ.
لَا أَحَدَ رَأَى دَمْعَهُ،
لَكِنَّهُ حِينَ وَقَفَ أَمَامَهَا،
كَانَتْ عَيْنُهُ تَطْفَحُ بِالِانْكِسَارِ،
وَكَانَ صَوْتُهُ يَخْرُجُ مِنْ حَنْجَرَةٍ لَا تَمْلِكُ سِوَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ:
“أَنَا… لَا شَيْءَ إِلَّا لَكِ.”
فَأَشَاحَتْ بِوَجْهِهَا،
كَأَنَّهَا تَرَى فِيهِ مَشْهَدًا تَافِهًا مِنْ فِلْمٍ قَدِيمٍ،
ثُمَّ ضَحِكَتْ…
ضَحِكَتْ لَا لِتَسْخَرَ مِنْهُ،
بَلْ لِأَنَّهَا لَا تَزَالُ تَمْلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى إِذْلَالِهِ…
دُونَ أَنْ تُكَلِّفَ مَشَاعِرَهَا شَيْئًا.
هُنَيْدَةُ زَيْدَانَ













