
عروس ورقية
الكاتبة: مريم توركان
أحاط بها عدد كبير من الأبناء الصغار وهم يتطلعون إليها بانبهار وترقب.
جلست على الأريكة وقد علا وجهها علامات الجدية وكانت تمسك بيدها ورقة مقصوصة على شكل عروسة.
قرأت بعض آيات القرآن ثم بدأت تغرز الدبوس في العروسة وهي تتمتم بكلمات عجزوا جميعاً عن إدراكها…
أحاطَ بها عدد كبير من الأبناء الصغار، يتطلعون إليها بانبهارٍ وترقب.
جلست على الأريكة وقد علت وجهها علامات الجديّة، تُمسكُ بيدها ورقة مقصوصة على هيئةِ عروس.
تقرأُ بعضًا من آياتِ القرآن الكريم، ثُمَّ بدأت بعدَ ذلكَ بغرز الدبوس في العروس الورقية، وهي تُتمتم بكلماتٍ عجزوا جميعًا عن إدراكها!
لحظاتٍ وانتهت ممّا تفعله، فأمسكت بالقدّاحة وأحرقتها بعدما سمّتها باسم إحدى نساء العائلة؛ ظنًّا منها أنَّ العَينَ قد بطلت فلم يَعد مفعولها ساريًا.
نظرت إلى الشابّة ذات العيون السوداء وقالت: سيبرأ جسدكِ ولن تتألمي بعدَ اليوم.
تبسمتْ لها الشابّة واهنة الجسد وعادت لفراشها.
مسعدة، أينَ حلواني؟
قالتها مُداعبةً.
مسعدة وقد أخرجت لها بضعة جُنيهات: تفضلي خالة معتوقة.
معتوقة بصوتٍ غاضب: ما هذا يا أُمّ جواهر؟
مسعدة: حقّكِ خالة.
معتوقة: ألا ترينهُ قليلًا بعض الشيء؟
مسعدة: بلى، لكنَّني لا أملك غيره.
معتوقة ببسمةٍ خبيثة: بل تملكين.
مسعدة وقد قطبت حاجباها: ماذا تقصدين؟
معتوقة: إنْ أطعتِ أمري رُزقتِ الخير كُلّه.
مسعدة: لن أبيعكِ ابنتي ووحيدتي.
معتوقة: لن تبيعها، فقط سنُعالجها.
مسعدة بازدراء: وأيُّ علاجٍ ستُعالجينها بهِ خالة معتوقة الغجريّة؟
معتوقة: علاج الأسياد، علاج فعّال ومُجرّب.
مسعدة: أرفض وبشدّة.
معتوقة بعدما نهضت: على راحتكِ والآن مع السلامة.
قالتها وغادرت تاركةً مسعدة تبكي حظّها؛ فمُذ تزوجت من مهران وهي تُعاني، تُعاني في صمتٍ ولا حيلةَ لها سوى الصبر.
خرجَ الصغار يلعبونَ أمامَ البيت، بينما جواهر تتألم وتئن، أسرعتْ إليها أُمّها وقد أعدت لها كوبًا من مغلي الأعشاب، الذي أعطتها إيَّاهُ معتوقة!
تجرعتهُ الحزينة على مضضٍ كي لا تُثقلَ على أُمّها.
وضعت الكوب جانبًا واحتضنتها لتُخففَ عنها بعض الألم فذرفت أعيُنهما.
لا تبكي أُمّي، فأنا بخيرٍ.
قالتها جواهر بصوتها الواهن.
مسعدة وقد اعتدلت في جلستها: إن شاء اللَّه ستكونينَ بخيرٍ ابنتي.
جواهر: أُمّي أودُّ أنْ أُسرّ إليكِ.
مسعدة مُبتسمة: أنا بئر أسراركِ ابنتي، قولي ما شئتِ فكُلّي آذانٌ صاغية.
جواهر بتوتر: أشعُرُ بالخوفِ من الجدّة معتوقة.
مسعدة: لِمَ؟
جواهر: قد لاحظتُ أنَّ ألمي يزيد كُلّما تجرعتُ كوب الأعشاب خاصتها.
مسعدة: هكذا يكون العلاج الصحيح، هي قالت بأنَّ الأعشابَ تقوم بتطهير جسدكِ من الداخل، لذا قد تشعرينَ ببعضِ الألم.
جواهر: أكُلّ هذا لأجلِ عَين العائنين؟!
مسعدة: لعنةُ اللَّهِ على الظالمين ابنتي.
مضى أسبوع وتدهورت حالة جواهر الصحيّة، فما كانَ من أُمّها إلَّا أنْ ذهبت بها إلى المستشفى بعدما أمرها الطبيب بذلك.
تمّ نقلها لغرفة العناية الفائقة، وبعدَ الفحص تبيّنَ أنّها مُصابة بإحدى الأمراض الخطيرة؛ نتيجة تناولها طعامًا مُلّوثًا.
لكنَّ الأُمَّ قد أخبرت الطبيب بأنَّها لا تأكل مُنذُ أيّام، فقط تتجرع ما وصفتهُ لها المُعالجة الغجريّة الخالة معتوقة.
طلبَ الطبيب من الأُمّ إحضار الوصفة، ووضعها تحت الاختبار والفحوصات.
وبعدَ يومينِ تبيّنَ أنَّ الوصفة ما هي إلَّا سُمٌّ قاتل، بعض الأعشاب الممزوجة بدمٍ جافٍّ يَحملُ ذات المرض الذي أصابَ جواهر!
فهمت مسعدة وظهرت لها الحقيقة.
غادرت المستشفى وهرولتْ إلى خيمة معتوقة، وصلت إليها فلم تَجد سوى جُثّتها وسط الكثير من الدّماء، وبجوارها سكين مسعدة الذي تستخدمهُ في تقطيع اللحم.
اقتربت منها مسعدة فإذ بالعروس الورقية تتطاير بجانبها وقد لُطخت بقطراتٍ من الدّماء.
أمسكت السكين وراحت لتدسها لكنَّ القدرَ لم يُمهلها فأُلقيَ القبض عليها، وقبلَ أنْ تستقلّ عربة الشرطة سمعت شيخ المسجد يُنادي: سُبحانَ الحيّ الذي لا يموت، سُبحانَ الحيّ الذي لا يموت، تُوفيت إلى رحمةِ اللَّهِ تعالى جواهر ابنة مهران أبو العز عزيز، وخروج الجنازة بعد صلاة العصر من بيتِ الحاج رزق اللَّه أبو الغنايم زوج عمّتها.
صرخت مسعدة بكُلِّ قواها: الآن ظهرَ الحقّ، قتلت جواهر ابنة حمايا ابنتي وقامت بتدبير مكيدة لحبسي كي تأخذ تركتنا التي تركها لنا أخاها مهران بعدَ استشهاده خارج البلاد.
الصمت يُغلّف المكان، الهواء الطلق يُحرّك العروس الورقية، تأتي غجريّة أُخرى لتحلّ محلّ معتوقة!











