
بقلم: د. أحمد النجار
أشعر أني أول مرة أقرأ هذه الآية:
﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾
[المؤمنون: 108]
إذ تُعدّ من أشدّ الآيات القرآنية وقعًا على القلوب والعقول، تمثل مشهدًا مهيبًا في يوم القيامة، حين ينقطع الحوار ويُسدل الستار على زمن الأعذار والجدال. إنها كلمة فاصلة تقطع الرجاء وتُسكت الألسنة، لتعلن أن أبواب الرحمة قد أُغلقت على من أعرضوا عن الحق في حياتهم الدنيا.
لقد جاء هذا الرد الإلهي القاطع بعد توسّل أهل النار واعترافهم بضلالهم ورجائهم في الخروج:
﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾
[المؤمنون: 106-107].
غير أن الجواب كان حاسمًا: اخسئوا، أي ابقوا صاغرين أذلاء في عذابكم، ولا تُكلّمون، أي انتهى زمن الحوار وانقطعت سبل الشفاعة والنجاة.
ففي هذا النص تتجلى مجموعة دلالات ومعانٍ عميقة نذكر منها..
• العدالة المطلقة:
فالله تعالى لم يُعاقبهم إلا بعد أن قامت عليهم الحجة في الدنيا بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
• نهاية زمن الجدال:
الكلمة هنا إعلان عن انتهاء عهد السؤال والمراجعة؛ فقد انتهى الامتحان وجاء وقت الحساب.
• أقصى درجات الغضب الإلهي:
لفظ “اخسئوا” من أشدّ ألفاظ الطرد والاحتقار، لا يُقال إلا لمن لا يُرجى منه صلاح.
• تحذير للبشرية:
فهي دعوة صريحة لكل إنسان لئلا يُسرف في الغفلة والتسويف، فيأتيه يوم لا يجد فيه فرصة للاعتذار أو العودة.
فهذه الآية الكريمة ليست مجرد مشهد غيبي يُتلى، بل هي جرس إنذار لنا جميعًا. ففي الدنيا يُتاح للمرء أن يتحدث، ويعترف، ويستغفر، ويعود إلى الله. أما في الآخرة فالكلمة الأخيرة قد قيلت: لا تُكَلِّمُونِ.
إنها فلسفة المسؤولية الفردية في أوضح صورها؛ فلا عذر حينها إلا العمل الصالح الذي قدّمه الإنسان بنفسه.
أخي الكريم.. لنتأمل معًا، ما أشدّ أن يُحرم الإنسان من خطاب الرحمة، ويُغلق في وجهه باب الحوار مع ربه. ألا يجدر بنا أن نغتنم أيامنا قبل فوات الأوان؟ ألا نستشعر الخوف من أن نكون ممن يُقال لهم يوم القيامة: اخسئوا فيها ولا تُكلّمون؟
فلنسارع بالتوبة، ولنعمل الصالحات، ولنكثر من الدعاء كما علّمنا ربنا:
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾
[آل عمران: 8].













