
العائلة المالكة في بريطانيا
في قلب العائلة المالكة البريطانية، التي اعتادت الظهور أمام العالم كرمزٍ للقوة والهيبة والوقار، كان هناك سرّ مظلم مخفي بعناية خلف الجدران العالية والابتسامات الرسمية. ذلك السر كان يحمل اسمين: نيريسا بوز-ليون وكاثرين بوز-ليون، ابنتا عم الملكة إليزابيث الثانية.
وُلدت الطفلتان في أسرة عريقة تحكمها التقاليد الصارمة، لكن القدر شاء أن تأتي حياتهما مختلفة تمامًا. منذ صغرهما، ظهرت عليهما إعاقات عقلية شديدة جعلتهما عاجزتين عن الكلام أو التواصل مثل الآخرين. ومع ازدياد عزلتهما، بدا واضحًا أن وجودهما قد يُعتبر “إحراجًا” في عائلة تُعلي من صورة الكمال أمام العالم.
في عام 1941، اتخذ القرار القاسي: أُرسلت نيريسا وكاثرين إلى مستشفى “إيرلسوود” المخصص لذوي الاحتياجات الخاصة، وهناك عاشتا في صمتٍ طويل، خلف أبواب مغلقة، بعيدًا عن العائلة، بعيدًا عن الأضواء، وبعيدًا حتى عن أي حنان حقيقي. لم يكن هناك زيارات منتظمة، ولا أخبار، ولا أي ذكر لهما في المناسبات العائلية. كأنهما لم يولدا قط.
لكن المأساة لم تقف عند هذا الحد.
ففي عام 1963، ظهرت أسماء نيريسا وكاثرين في سجلات رسمية على أنهما متوفيتان، بينما كانتا لا تزالان على قيد الحياة. لعقودٍ طويلة عاشتا مهملتين، منسيّتين، بينما كانت عائلتهما تستمتع بالبريق الملكي. وعندما ما*تت نيريسا بالفعل عام 1986، لم يحضر أي فرد من العائلة جنازتها. كل ما وُضع على قبرها كان بطاقة بلاستيكية صغيرة رخيصة، بلا اسمٍ محفور، بلا تكريم، بلا دمعة.
لم يُكشف السر إلا عام 1987، عندما بدأت الصحافة البريطانية تفتح الملفات المنسية، وتطرح أسئلة محرجة: لماذا تم تسجيل الفتاتين كأموات رغم أنهما على قيد الحياة؟ ولماذا لم تبادر العائلة إلى رعايتهما أو حتى الاعتراف بوجودهما؟ القصة حينها صدمت الرأي العام، وأثارت موجة من الغضب والشفقة، إذ تحولت نيريسا وكاثرين إلى رمزٍ للظلم والصمت المفروض على ذوي الإعاقة في المجتمعات التي تخشى الحقيقة أكثر من مواجهة العيوب.
ولم تمت كاثرين إلا عام 2014، بعد حياة كاملة في الظل. لم تعرف أضواء القصور، لم تسمع التصفيق للجلالات والملكات، ولم تعش سوى على هامش تاريخٍ لم يعترف بها.
إن قصتهما تحمل في طياتها مأساة إنسانية مؤلمة، وعبرة قاسية: أن قسوة التجاهل قد تكون أفظع من المرض ذاته، وأن الكرامة الإنسانية لا تُقاس بالمكانة الاجتماعية أو بالنسب، بل بالرحمة التي يُظهرها الناس تجاه أضعف أفرادهم.











