مقالات متنوعة
أخر الأخبار

ضحكة العمر

ضحكة العمر

 

بقلم: إسراء فتحي “ملاك الأمل”

 

قالت جدتي: «هذه هيَّ؛ فقد اشتقنا لصوت ضحكتك».

أردت أنْ أجيب بأنَّها أُخفِّقت مُنذ اللحظات الأولى من انكساري، ومع سنوات العمر التي تزداد رقمًا يزداد حمل الحياة أكثر غطرسة، ومستنقع الدوامة لا تنتهي رغم أنَّها تحميني في بعض الأحيان، وتغطي على ألم الفقد الذي يلتف حول عنقي؛ فأصبحت أعيش بين التيهةِ نهارًا وتمزق قلبي الجريح ليلًا، والضحكة التي خرجت الآن كالعادة ورائها كواليس كل ليلة وكل موقف أو وقعة يراودني التفكير بِذكرَّاهم وبكل شيء يحدث.. ولكن اختصرت الرد ببسمة انهزام تعني أنَّه كان يا مكان وفات..

 

الآن.. توجد ضحكة ممزوجة مع كواليس الخوف من الماضي والحالي والمستقبل.

مع الهروب من اشتياق الأحبة.

مع التقصير في المحاولات؟ وبالأخير تصبح تالفةً ومن غير جدوى!

مع رهبة الخوض نحو أحلام أكبر منّا.

مع الهم من تحمل مسؤولية جديدة، وتوتر يقلق مساعينا.

«الحياة يوم لنا ويوم علينا» هكذا يقولون..

أطمئن لبضعة ثواني وقد تكون بلهفة مرتجفة خشية مِن الذي سيأتي بعدها، أعاتب نفسي على غياب صفوة شمس ضحكتي، وبقائي في ثنايا المحاولة الثقيلة في استخراجها أو ظلمتها الساكنة؛ مجبِّرة بقيود صفعات الحياة واحدة تلو الأخرى.. وأيّا نبض لصوت ضحكة قد اشتقنا إليها حقًا.. وإذ يا فؤادي بكيف فِعَّالُها؟

كيف نرسم على الوجوه بسمة مشرقة؟

ونسمع صوت نبض ضحكة تشبه السماء الصافية، ولونها الذي يزهد القلب لمعان ويملأه باليقين والامتنان، وصوتها كتحليق جناح وغناء الطير مِنْ حولها ويتلألأ عنانه بحرية وسلام آمن؛ فحينها سأسميها ضحكة العمر.

نعم ولِمَّا لا؟

صوت ضحكة بدون تصدي إشكالية مع السوداوية اللا نهائية، والتي أساسها من مداخل وسواس الشيطان؛ ففي قوله تعالى:

{إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}

[المجادلة: 10] 

لذا يجب علينا ألَّا ننصت إلى تلك المداخل وننتظر انتظار الهامشية كالحمقى والمضيعة للعمر هباءً؛ فلا الفرص الضائعة عائدة وتضرب لنا التحية، ولا كسرة القلب ستمحى بضغط اللوم؛ فلنجعله لوم الخلاصّ، ونطوي سجل الصفحات السلبية وعسى بقاء أثر آلامنا يكن بقاء حكمة وتعلّم.

وأما عن رحيل الأنيس من الدنيا الغائب عن العين ويتلهف إليه القلب «فالحُكم أنَّ صنه فأعان ربي غربة الأغرابي»؛ والشوق مهما طال فلنّا موعد وثيق من الله جلَّ جلاله؛ فصبرٌ جميل وتمسك بحبل الله وحده، وكما قال ابن القيم رحمه الله: «الإقبال على الله والإخلاص له، فيا سعادة مَن دخل في هذا الحصن».

 

تأملها.. صوت ضحكة بين الجميع تفاؤلًا وتسليمًا لأمر الله سبحانه وتعالى وبأقداره، واستمتع بخطوات سعيك مهما اشتدت بِكَ الأحوال ستلتقي بلطف الله الغالب دومًا.

وعن السعادة القلبية قال الشيخ ابن تيمية رحمه الله:

«إن في الدنيا جنةً، مَن لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة».

(والمقصود بالجنة هنا هو: الأنس بالله ومحبته وطاعته).

{… وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا}

[الإسراء: 65]

 

ردد.. بكيد ألم الانكسار أغدو طريقي بِبسم الله على قلبي تبسمًا، إجلالًا وإقبالًا في تدبر رسالات كتاب ربي تكن أسمى المعاني شفاءً وسعادةً، ثم إنَّ جراح شقائي وحرقتي من مصائب الدنيا سيغمد نارها كلها والآثار ستفنى بإذن المولى عندما نصل إلى درب العلى.

 

 

عبير طه سعد

عبير طه سعد رمضان، حاصلة على ليسانس آداب قسم اللغة الفرنسية من جامعة المنصورة عام 2005. تعمل في الصحافة منذ سنوات، وتشغل حالياً رئاسة قسم الديسك بجريدة العدد الأول، بعد توليها رئاسة قسم المقالات بنفس الجريدة. متخصصة في التحرير والمراجعة اللغوية، وتتميز بالدقة والاهتمام بالأسلوب الصحفي المتوافق مع معايير الكتابة الصحفية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي