مقالات متنوعة
أخر الأخبار

أبصر بتودده إليك 

 أبصر بتودده إليك 

 

بقلم: إسراء فتحي “ملاك الأمل”

 

يظلُّ ركام الحياة طريقًا فاصلًا بين الحين والآخر، يظهر عند كل ثغرةٍ، يتجلى حدثه على أعقابنا بضخامة مضجرة، وبدوامه تلو الآخر يعاندنا بمخالبه وسنونه الحادة، فإمَّا أن يقضيَ علينا بشراسته، أو نتعامل معه بتأني ومجاهدة، وهذه هي الحكمة من الله -جلَّ جلاله- في كل حدث أو واقعة؛ ليختبر صبرنا، ففي قوله تعالى:

{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}

[الآية رقم: 31، سورة محمد]

الأولى {لنبلونَّكم}: أي لنختبرنَّكم بالتكاليف الشاقة.

أمَّا الثانية {نبْلوَ أخباركمْ}: أي نظهرها ونكشفها.

حسنًا، لنقف ونفكر كيف سنتسلل في عمق هذه الآية الكريمة، ونستفيد بها عملًا وتطبيقًا وسط كل هذا الهزل والصخب الذي حلَّ علينا وبَرْجَلَ تفكيرنا، وأضعفَ قلة حيلتنا؟!

ألَّا ننظر للحياة باللون الأسود، وبنظرة سلبية نسخط من بضع سويعات متراكمة أصلها نضارة راسخة لشخصيتنا نتعلم منها، ونظرتنا للحياة من الممكن أن نستصغر حجمها بكل ما فيها؛ حيثُ تمر بخفقان من أعينِنا كلمح البصر وتُيسر سيرًا ميسرًا، والصعب يصبح سهلًا إن تطرقت عزائِمُنا وهي متوكلة على خالقها مُستعينة به، آخذةً بالأسباب، والحمل الثقيل يكن خفيفًا، ثم محدودًا، ثم لا شيء! 

هكذا من خلال نظرة مبصرة لقلبنا مع الله -جلَّ جلاله- نعيش بأملنا وثقتنا به كضوءٍ لا يغيب قط.

أبصر بتودده إليك

– إن سألتك أين قلبك الآن؟ 

ستقول: «موجوع، منهزم، أشعر بالوحدة والاستسلام، تيار الحياة يسير عكس ما كنت قد أتوقع وأرغب به.. هذه ليست حياتي».

إذًا حياة مَن؟! حياة الآخرين التي تتطفل في تفاصيلها وملذَّاتها وتريدها لكَ! (كامتلاكك لها أيضًا وهي نزاعة حق؛ فلا فرق بينهما).

أم أنك استغنيت عن تحمُّل مسؤولية نفسك، وبقيَ أمامك رؤية الماء الضائع منك فقط!

كلا.. أنتَ مَن تهزم ذاتك وتخسر نقاءها بنفسك.

ـ وأين عقلك الآن؟

«مشتت، متعصب، أفكر في أين مساندة أحبابي الآن؟ وأين أنا؟ لِمَ كل هذا يحدث معي بالذات؟! أيعقل ضربة تلو الأخرى؟! أشعر كأني في كابوس؛ فمع كل صفعة أشتاق إلى نفسي القديمة».

ـ ولكن إن سألتك أين أنتَ مِن إيمانك بالله؟

ستضجر بوجهي، وتسخر بقولك: «ما علاقة هذا السؤال والذي يحدث معي؟»

 السؤال يزعج الكثيرين.. ولا يعلموا أن القلب والعقل حَكما عليهما بالوقوع في حلقة مغلقة عامية عن رؤية وسماع الحق، ما بين أنه لا يعلم حقيقة قدر نفسه ولا إلى أين تقع غايته؟!

وبين الوجهة الأخطر وهي شبكة وسوسة الصيد، وغفلة حب فناء الدنيا، وتكاثر الأحداث والأزمنة؛ وهي دنيا دنيئة ولا بقاء فيها، نعم، البعض ينكرون ذلك قولًا، لكن دون تطبيقٍ عمليٍّ، ووقت ساعة الصفر يصفرون بطرب الصياح: «النجدة.. النجدة.. أنتم لا تشعرون بي… إلخ إلخ».

 

 عجبًا! تظلم نفسك والآخرين معك، وما زلت تضيع عمرك في ذات النقطة: «البحث عن سراب مثالية الأنا».

روِّح عن نفسك قليلًا، واختر «أنا لله»، وسترى القوة والمعية الإلهية ملازمة طريقك، فقط أعقِل بأنَّ مِن حقنا أن نضعف لأننا بشر، نصيب ونخطئ! لكن الأهم أن نتعلم من ذلك الخطأ، ونجاهد، ونصارح بصوابه لله قدرًا وعدلًا، ومَن تواضع لله رفع قدره في الدنيا والآخرة.

فلماذا لا نتقبل ذلك والحق أننا كلنا عبادًا لله؟! وهو وحده الرزاق والحي والقيوم، يرزق مَن يشاء كما يشاء، قادر على أن يحيي قلبك من جديد في نقاء، والعيش لتنال نعيم الآخرة. 

نعم، يستطيع أن يعينك على نفسك وإصلاحها، احتسب ذلك عند الله، وأن ليس كل ما نرغب به يحدث، الدنيا بطبيعتها دار شقاء، الأهم ألَّا نقع في فخ التعلق بها.

الرغبة الحقيقية صدقًا وعملًا وإتقانًا في تسليم حياتك لله مسار التسلُّم وليس للدنيا، فالروح به تَستكِين، وبالحمد والرضا تَفُوز بالطمأنينة، وبالثناء عليه والشكر له تَنَال زيادة عطاءه لك، يكفي همك بأن تؤمن بأقداره كلها خير، وحِكمتها تصنعك على عينيه سبحانه، وليختبر صبرك ومجاهدتك، وتؤنَس بلطفه، وتبصَّر في تودده إليك برحمته، وتهدأ من ضجيج الانفعالات على كل شيء من أصغر حجم ولأكبر سبب مهما كان. 

فقال ابن عثيمين -رحمه الله-:

«الصبر منزلة عالية، لا ينال إلا بامتحان واختبار من الله عزَّ وجلَّ؛ لأنه لا صبر إلا على مكروه، فإذا لم يصب الإنسان بشيء يكرهه؛ فكيف يُعرّف صبره؟»

 

وبين كل صفعة ونهضة ستتيقن بأعظم وأجلَّ تسليم لهذه الآية الكريمة: {… وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}، حتى تضمحل أزقة الهموم من الأكتاف وينخفض ذاك الحمل الذي يستحوذ عليك استحالة شأن إزاحة أي ضباب وبتسليمك له ينفض من حولك، ثم تقف بصمود وعهد جديد وثبات من الله تكمل وتتحدى الصعاب، وتجني ثمار حصادك المتميز في الأفق، لا يعرف التراجع لكنه يدرك بعزم المنال نحو المزيد من الآمال.

لذا اجعل الغد هو الذي يذهل ويسمع تلك النفحات الراسخة التي تنطلق الآن من عبد ضعيف لأملٍ متين صلابته، هو اعتصامه بحبل الله جلَّ جلاله، وفي الختام أذكِّر نفسي وإياكم بقول الله تعالى:

{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا}

[سورة النساء، الآية رقم: 175]

 

 

عبير طه سعد

عبير طه سعد رمضان، حاصلة على ليسانس آداب قسم اللغة الفرنسية من جامعة المنصورة عام 2005. تعمل في الصحافة منذ سنوات، وتشغل حالياً رئاسة قسم الديسك بجريدة العدد الأول، بعد توليها رئاسة قسم المقالات بنفس الجريدة. متخصصة في التحرير والمراجعة اللغوية، وتتميز بالدقة والاهتمام بالأسلوب الصحفي المتوافق مع معايير الكتابة الصحفية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي