مقالات متنوعة

الدنيا في نظر القرآن

الدنيا في نظر القرآن

كتب: محمد شبكة

ما من فيلسوف أو شاعر أو متأمل في الوجود إلا وحقر الدنيا ؛ واشتكى منها ، لتوالي آفاتها ، وتتابع حسراتها ، فلا لذة فيها إلا مشوبة بألم ، ولا راحة إلا وهي مصحوبة بتعب ، فلا تصف لملك ولا عالم ولا جاهل ، ولكن الناس مالكهم ومملوكهم وعالمهم وجاهلهم ومؤمنهم وكافرهم وإن اتحدوا في هذا الذم إلا أن طرائقهم فيها على غاية التناقض ؛ اتحدوا كلهم في المقدمة ، واختلفوا في النتيجة ، فمنهم المتكالبون عليها ، المتفانون في جمع حطامها ، فكان ذلك التكالب مؤديا إلى التقاطع والتنابذ ، وتعمد الشرور التي تزيد دنياهم نقصا ، وحياتهم تنغيصا ، وهو حال شديد التناقض ، الواقعون فيها اشد الناس قدحا لأنفسهم ، وعجبا من حالهم ، ومن الناس من عرف للدنيا هذه الحال ، فانقطع عنها ونبذها ، ولم يعبأ منها إلا ما يسد الخلة ويقيم الأود ، ولكن إذا كان القسم الاول شديد التناقض ، فالثاني مفرط لا يلبث أن يقع تحت سيطرة القسم الاول ، لأن الدنيا لمن غلب ، ولا غلب إلا بمادة .

جاء الإسلام والناس على هذين المبدأين ، فأتى للأولين من أنواع العبر بما يقتلع حب الدنيا من أنفس المتهورين في حبها ؛ ويريهم حقارتها ونقصها بمثل قوله تعالى ( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) آل عمران ١٨٥
وقوله ( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ) الانعام ٣٢
وقوله تعالى ( ( حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) .

وقوله عز وجل :
(وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا )
الكهف ٤٥ .

أتى سبحانه وتعالى بمثل هذه الآيات ، ولكنه شفعا بما يجب على الحي أن يعمله في دنياه من سعي وراء الحصول على المادة ؛ حتى لا يقع أهل هذا الدين تحت أسر الأمم المادية ، فقال تعالى ( وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) القصص ٧٧ . وسمى المال خيرا مادام المقصود منه طلب الحق ، فقال سبحانه ( إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ) البقرة ١٨٠
وسماه فضلاً فقال عز وجل ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ ) الجمعة ١٠ .

والمال لم يكن خيرا وفضلاً من الله إلا لأنه مكتسب من حل ، لا مأخوذ بقطع رحم ، بمنافسة تجر إلى خراب .
بهذه الحكمة العالية أشرب القرآن نفوس أهله خصلتين ساميتين ، أولاهما : ترك الدنيا لعشاقها ، وثانيتهما: أخذ ما يقيمون به أود حياتهم منها ، ويحميهم من الوقوع في أسر عبادها ، ولا نرى دينا من الأديان حل هذه المسألة على هذا النحو ؛ وقد بدأ المسلمون هذه الحال فظهر على حركاتهم وسكناتهم ، وأسسوا على قاعدته مدينة فاضلة قامت على أعدل صراط الفضيلة حتى قال الله فيهم ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) آل عمران ١١٠

حازم أبو الشيخ

حازم محاريق أحمد (الشهير بـ حازم أبوالشيخ)، صحفي وإعلامي متمرس، حاصل على ليسانس آداب وتربية – قسم اللغة الإنجليزية، إلى جانب مجموعة من الشهادات المهنية المعتمدة في مجالات الحاسب الآلي وإدارة الأعمال، أبرزها شهادة ICDL، وشهادة MCE في العلوم والتكنولوجيا، وشهادة المركز البريطاني لعلوم الحاسب الآلي. يتولى حالياً رئاسة قسم الأخبار في جريدة العدد الأول الإخبارية، ويشغل في الوقت ذاته منصب الأمين المساعد لأمانة الإعلام، والأمين المساعد لأمانة قطاع رجال الأعمال بحزب مستقبل وطن. يتمتع بخبرة واسعة في العمل الإعلامي المؤسسي، ويُعرف بدقته في المتابعة الإخبارية، واهتمامه بالقضايا الوطنية والتنموية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي