مقالات متنوعة
أخر الأخبار

أسس بناء العلاقات العاطفية

أسس بناء العلاقات العاطفية

بقلم: مصطفى نصر 

 

العلاقات العاطفية غالباً ما تنهار بسبب عدم التناسب الاجتماعي، والثقافي والعاطفي وعدم الشفافية، وعدم اختيار الرفيق بعناية، ولعل أسوأ حالات الفشل العاطفي هي العلاقات الزوجية التي يكون نتاجها أطفال، إذ يكون الأطفال هم الضحية.

وغالباً ما يؤدي حرص العنصر النسائي على الخروج من شبح العنوسة، وإزعاج وضغوط الأسرة لهن بضرورة الحصول على عريس في أسرع وقت ممكن، إلى تسرع الشابات في قبول أول طارق لبابهن من غير روية في اختيار الرفيق وتمحيصه.

وتشير دراسات استقصائية، تعززها تجربتي الشخصية في زيجة ستبلغ ٣٥ عاما رابع أيام عيد الأضحى المبارك القادم، إلى أن أهم الأسباب التي تؤدي إلى انهيار العلاقات العاطفية (حسب الدراسات النفسية والإحصاءات العالمية التي شملت كل قارات العالم، وتجارب الأزواج في جلسات العلاج) هي تقريباً نفسها في كل الثقافات، ومن أبرزها التالي (مرتبة تقريباً حسب شيوعها): فقدان الثقة في الشريك

 والخيانة (عاطفية أو جسدية)، والكذب المتكرر، وإخفاء أمور مالية أو علاقات سابقة.

فالثقة إذا انكسرت مرة يصعب إعادة بنائها، وكثير من الأزواج ينهارون عند هذه النقطة حتى لو بقوا معاً شكلياً؛ وكل ذلك ينشأ من ضعف أو انعدام التواصل بشفافية وصدق، وعدم القدرة على الحديث بصراحة عن المشاعر والاحتياجات، وتراكم الغضب الصامت، السخرية، الازدراء، أو “الصمت العقابي”. 

أسس بناء العلاقات العاطفية

جون غوتمان (أشهر باحث في الزواج) يقول إن الازدراء هو أخطر مؤشر على الطلاق، يليه عدم تلبية الاحتياجات العاطفية والجسدية

 والشعور بالإهمال وقلة الاهتمام، وانخفاض الحميمية، أو أن أحد الطرفين يعطي كثيراً والآخر يأخذ فقط، فمع الوقت يتحول الأمر إلى ضغينة عميقة.

ويشير الباحث إلى أن المشاكل المالية والخلاف الدائم على الإنفاق، الديون المخفية، اختلاف فلسفة المال (واحد مدخر والثاني مبذر)، وهي من أكثر أسباب الطلاق شيوعاً في معظم الدول العربية والغربية، كما يشير الباحث إلى أن التدخل الخارجي من الأهل والأصدقاء، من أكثر عوامل الفشل العاطفي، خاصة في مجتمعاتنا العربية، حيث يكثر تدخل الأم أو الأخت أو الحموات بشكل مبالغ فيه، ممل يجعل أحد الشريكين يشعر أنه في “معسكرين” وليس فريقاً واحداً.

كما أن اختلاف القيم والأهداف في الحياة والأولويات، يؤدي إلى خلافات عميقة، مثلاً إذا كان أحدهما يريد أطفالاً والثاني لا يريدها الآن أو أبداً، اختلاف في مكان السكن (مدينة/قرية، بلد/هجرة)، أو اختلاف في نمط الحياة (ديني/علماني، اجتماعي/انطوائي).

بناء العلاقات العاطفية

ولعل من أهم آفات الحياة الزوجية هو وصول العلاقة إلى مرحلة الروتين والملل بعد حالة الشغف والعاطفة الجياشة في أول العلاقة، نتيجة توقف المفاجآت والاهتمام، والشعور أن العلاقة أصبحت “وظيفة” أو “شراكة منزلية” فقط، فتبدأ الأنظار تتجه للخارج بحثاً عن الإثارة.

وهنالك مشاكل تؤدي للطلاق، مثل الصحة النفسية أو الإدمان والاكتئاب غير المعالج، اضطراب الشخصية، إدمان كحول أو مخدرات أو حتى إدمان السوشيال ميديا والإباحية، والعنف نفسى أو جسدي، وهو سبب مباشر وواضح للانفصال الفوري في أي علاقة صحية.

كما أن من العوامل: النضج العاطفي المختلف، مثل أن يكون أحد الطرفين ما زال “طفلاً عاطفياً” يحتاج رعاية دائمة، والثاني تعب من دور “الأب أو الأم”.

والملاحظة المهمة: هي أنه غالباً لا ينهار الزواج أو العلاقة بسبب مشكلة واحدة كبيرة، بل هي غالباً بسبب تراكم عشرات المشاكل الصغيرة التي لم يتم حلها أو التحدث عنها بصراحة، حتى يصل أحد الطرفين إلى نقطة “كفى.. لم أعد أتحمل”، وإذا كنتِ أو كنت تمر بأزمة في علاقتك حالياً، أكثر جملة تنقذ العلاقات هي: “أنا أشعر بـ… لأنني أحتاج إلى…، هل بإمكانك أن تساعدني في ذلك؟”،بدلاً من الهجوم أو اللوم.

كثير من الناس يعطون وزناً كبيراً  للتناسب في الثقافة والطبقة الاجتماعية والسن، وهي قد تكون مهمة جداً للاستقرار الزوجي في 90% من الحالات، خاصة في مجتمعاتنا المحافظة، لكن هذه الأمور ليست شرطاً مطلقاً، حيث أن هناك آلاف الأزواج نجحوا رغم الفارق الكبير (طبقياً أو ثقافياً) أو في السن، بسبب قوة الدين والحب والتفاهم، فالأخطر هو أن نجعل “الطبقة” تطغى على “الدين والخلق”، فهذا انحراف خطير، الأمثل: أن يكون هناك تناسب معقول في الثقافة والمستوى الاجتماعي، مع تفوق واضح في الدين والأخلاق.

وإليك نصيحة عملية: إذا كنت تحب شخصاً من طبقة أو ثقافة مختلفة تماماً تأكد أولاً من دينه وخلقه، وجرب أن تعيش معه مواقف حقيقية (ضمن الضوابط الشرعية) لترى مدى التوافق.

وختاماً: الشرع الإسلامي وضع شرط “الكفاءة” في الزواج كشرط صحة عند بعض الفقهاء (خاصة الحنفية والمالكية وبعض الشافعية)، وهي تشمل عدة جوانب، منها الكفاءة في الدين والتقوى، والكفاءة في النسب (في بعض المجتمعات) والكفاءة

في الحرفة أو المهنة، فالصحفي مناسب للصحفية والمهندس للمهندسة والطبيب للطبيبة لانهم يتفهمون طبيعة عملهم، ويشير البعض لضرورة التوافق في المال واليسار الثقافة والطبقة الاجتماعية، باعتبارها جزءاً من الكفاءة في العرف، لكن الرسول ﷺ لم يقم وزنا لكل هذه الأمور، فقال: “إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه”، وقال: “أظفر بذات الدين” إذن الدين والخلق هما الأساس، والباقي ثانوي.

مصطفى نصر

صحفي وباحث متخصص في الأدب والتثقيف، يتمتع بخبرة في العمل الإنساني والتوعية المجتمعية، وله دراسات متعددة في الإعلام والتعليم الإلكتروني. كاتب بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي