مقالات متنوعة
الأوساط والدين

الأوساط والدين
كتب: محمد شبكة
إن بين الجهال من الأمم والعلماء طائفة وسطى لم تنحط إلى حضيض الجهل، ولم تصعد إلى قمة العلم، فهي في عالم وسط في الحياة، ويمكن تشبيه حالها في الوجود، بالنسبة لشعورها به ونظام كائناته، وارتباطها بحالة الانسان بين النوم واليقظة، يشعر شعور الصاحي، ويدرك مداركه، وليس كالصاحي في ضبط علاقات ما يقع على حسه من الحوادث وإدراك النسب الموجودة بينهما، وهو لا يعني بذلك ولو عنى به وسعى وراء تحصيله خانته وسائله، فيحصل منها ما يشبه الحقيقة، وليس بها، ولو كلفت نفسك باستشراف هذه الطائفة، وهي القسم الأعظم من متنوري الأمم، لرأيت لكل من أفرادها فلسفة خاصة، تشمل كل المسائل الإنسانية، فله في الدين والعلم والمدنية والأخلاق على قدر وسائله، تعطيه شكلا فلسفيا كاملا، وإن كان ناقصا من جهة الاستقراء والاستدلال، وخالية من روح التحليل.
ولكنها على أي حال، فلسفة يقنع بها أهل طبقتها، ويقف معها ذووها من أهل درجتها.
قلنا أن هذه الطائفة لها فلسفة على الدين خاصة بها، فتتطلب دينًا ينطبق على مقررات العقل ولا ينافي بدائة الحس.
دينًا يحببها في الحياة ولا يزهدها فيها، دينًا ينشطها للعمل ويحرضها على استصلاح المعيشة، دينا يحثها لطلب العلم ويدعوها لاحترامه، دينًا يبيح لها مجال الفكر ويفسح لها ميدان النظر، دينًا يبيح لها التمتع باللذائذ البدنية في أفئدتها حرارة الشمم والحمية، دينًا يفضي بالروح إلى خالقها، ولا يقيم الوسطاء بينهم، دينًا يرحمها في ضعفها ولا يطلب منها فوق طاقتها، ويعلو بها ولا يعلو عليها، دينًا يراعي بها أدوار الطبيعة، ويلاحظ لها أطوار الحياة، فيعطي كل دور ما يناسبه، ويقابل كل حال بما يلائمه.
هذا هو الدين الذي يتطلبه الأوساط من الأمم، ولا نجد فيما نراه من صور الأديان الموجودة الآن دينًا فيه هذه الخاصية وزيادة غير الدين الإسلامي؛ لذلك ترى الأوساط من هذه الأمة أغير الناس على دينهم، وأحماهم قلبًا على كرامة ملتهم، حتى أنه ليوجد بين أوساط هذه الأمة نهضة دينية تشبه من كثير من الوجوه تلك النهضات التاريخية، وقد سرى تيار هذه الحماسة الدينية في الأفئدة كافة، وصار من مقررات الرأي العام اليوم أن تأخر المسلمين سببه ترك الدين وهجر تعاليمه، وهو إجماع عجيب في عصر هجر الدين فيه كل الأمم الراقية والإسلام، وإن يكن حقيقا بهذا الإجماع وزيادة، إلا أننا نعجب من أن فتنة الدنيا التي اجتاحت كل عاطفة فينا، كيف أبقت على هذه العاطفة الدينية، مع معارضة المدنية لها جملة وتفصيلا.










