أدبي
العجوز جدتي

العجوز جدتي
بقلم: أسماء أحمد
بينما. كذلك ثم بينما
دخلتْ كعادتها بحركة بطيئة، تستند على عكازها الذهبي، وبيدها الأخرى مسبحة طويلة بنية اللون. انتظرتها حتى جلست أمامي، أخذت تتنفس رويدا رويدا حتى هدأت.
عيناها واسعتان، مضيئتان بضوء القمر وجماله، كانتا كل ما أرى من وجهها، فهما يعبران عن كل ما يجول بخاطرها وتقول.
تتحدث معي وتضحك، تسألني وتستفسر، وما يسعدني حقا هو أن أنظر إليها طويلا، فتوَاصُلي معها أشبه بحديث الأم بابنتها، بحبيب يلتقي حبيبته، لقاء هادئ يبعث في نفسي السرور والبهجة، عندما تضحك تلمع عيناها ويتورد خداها.
قالت إنها فحصت ورأت هذا الطبيب وذاك، ولكنها تسعد بلقائها معي، لم أملّ من نظراتها وكلامها النافذ إلى قلبي؛ فقد أحببتها، رأيت فيها حنان جدتي – رحمها الله- وعطف أمي وجمالها، ومن الجميل في ذلك أني على موعد مع تلك العيون الطيبة الرقيقة شهريا، تلك التي تتحدث بدون حديث، وتُعبر بدون كلام، روحها قريبة مني، أراني فيها ابنتها التي تتودد إليها.
وجَدُتها سندا لي في وحدتي وغربتي، تعلمت هدوءها، وأحببت بسمتها الرقيقة، حقا هي ليست مريضتي بل إنها جدتي، تتفقدني إن غبت، تسأل عني، تحادثني هاتفيا، تطمئن علي، تزورني في بيتي، تحمل الكثير من الهدايا لي ولأبنائي.
أعطيتها دواءها الشهري متمنية لها الشفاء، وحينما تأهبت للقيام، عادت لجلستها ثانية وحدثتني عيونها فقالت بود:
– أنا أحبك، وأحب مدينتك، وقريبا أزورها ابتسمت لها على موعد بلقاء قريب
مر على لقائنا شهر ولم تأتِ، وأنا أتساءل لمَ تأخرت عن موعدها؟
هاتفتها، فلم ترد، زاد قلقي عليها وفي حينها أخبرني مديري بسحب ملفها!
تعجبت لطلبه وقلت له:
– لمَ، هل انتقلت لمدينة أخرى؟
رد متعجلا:
-أحضريه فقط الآن، أرسلته إليه وما زلت في حيرة من أمرها
وفي الصباح، تذكرت تلك الهدية التي ابتعتها لها، حيث كنت سأعطيها إياها في زيارتها القادمة، فعزمت على زيارتها
وصلت إلى بيتها، وفي الخارج، رأيت الكثير من الرجال مصطفين على أحد جانبي بيتها، انقبض قلبي ثم دلفت إلى الداخل، فرأيت النساء ملتحفات بالسواد، الحزن يسيطر على المكان، صوت المذياع يعلو بالقرآن، نحيب ودموع
سألت بفزع: أين جدتي؟!
صمت الجميع، وزاد النحيب، انهمرت دموعي ثم غادرت وما دار برأسي أني لن أراها ثانية؛ دفئها، حنانها وعطفها.
ذَهَبت، وخلا هوائي من رحماتها، وبات قلبي يتوجع ألما لفقدانها..سوف لا أنساك أبدا.
وكلما أحببت أن أراك جلستُ وحدي أشاهدك أمامي، أسمع وأرى عينيك، حديثهما وصفاءهما.
محفورة أنت في ذاكرتي للأبد.
بينما. كذلك ثم بينما








