“يا أبلتي، أنت الوردة، من غيرك أنت ما فينا فايدة، يا أبلتي”
لطالما غنتها لي جدتي بطريقتها العامية، بمفردات بسيطة. جدتي كانت أنثى جميلة، لطالما تجمع الأحفاد مهما كثر عددهم على سريرها النظيف الدافئ، والذي كان يسعنا جميعا، كانت تلقنني الأناشيد عن الأبلة والأستاذ، فأقول لها:
– هل كنت تحبين المدرسة يا جدتي؟ تبتسم قائلة:
– كانت المدرسة سُبة في حق البنات، كأنها انتقاص من أحقيتها بالزواح، لأن الدراسة ستؤثر بالطبع على فنون الطهي والتنظيف، قالت الجدات قديما: البنت إللي تروح مدرسة كيف تطبخ وتطيع زوجها؟!
خافت الأمهات أن تصبح بناتها (عوانس)!
تقولها جدتي بتنهيدة حارة، ثم تغمض عينيها مسترسلة في الحديث بصوت خافت:
– لكنني كنت أحب المدارس، كل يوم أراقب الفتيان والأربع فتيات اللاتي امتلكت أمهاتهن الشجاعة لتدفعهن نحو الدراسة، كنت أشعر بقوتهن، بنور العلم والشجاعة.
المريول البيج، الحقيبة الجلدية، الضفيرتان، الشعر المهندم، الكراسات، الأقلام، الألوان، والممحاة، كلها كانت أشياء سحرية بالنسبة لي، عالم محرم عليّ، لكنني أتمناه.
تصمت كأنها هناك في بيت أبيها تجلي الأواني وهي تراقب من النافذة الفتيات، تتدحرج دمعة منها فأندهش! جدتي تبكي؟ بعد كل هذا العمر تبكي من أجل المدرسة؟!
هززتها بكفي قائلة:
– جدتي، أنت حزينة من أجل المدرسة، إنها مملة، صعبة، متعبة وثقيلة!
فتقول:
– آه يا طفلتي، يبكي الإنسان أحلامه التي وئدت في قلبه ولو بعد ألف عام، الإنسان لا يتأقلم مع الخذلان، الإنسان لا يغفر الوجع، كل حلم وئد كأنه قبر في قلبه كلما نبشته الذكرى أقام حداد وعزاء فبكى مرة وألفا على حلمه البسيط الذي نهش.
ثم عادت تصفق وتغني:
“يا أبلتي، أنت الوردة، من غيرك أنت ما فينا فايدة” لكن تلك المرة كان صوتها مبحوحا وليس مرحا، مهزوما بعد كل انتصار لها في المطبخ، كانت الدموع تسيل من جفنيها، ثم نهرتني قائلة:
– اذهبي واستذكري دروسك. ثم بدأت في تحضير الطعام، حيث سلقت الدجاج، وقمعت البامية، ثم حمرت الأرز ، وبعد قليل اجتمعنا على مائدة الطعام، لكن وعلى غير العادة لم يعجب طعام جدتي أحد.
صمت الجميع إلا جدي حين قال لها:
– لماذا الطعام مالح اليوم؟ أين كان عقلك وأنت تطهين وجبة واحدة لا غير، يبدو أن الخرف أصابك.
ثم نهض تاركا المائدة، حينها استدارت نحوي جدتي وقالت:
– اجتهدي في دراستك، قاتلي من أجل حلمك ولو رآه العالم كله تافها، فلا أحد يملك سعادتك، ولا أحد سيصغي لصوت قلبك، قاتلي يا طفلتي حتى لا يكون طعامك مالحا!.
ثم لملمت المائدة ولا زالت تدندن: “يا أبلتي، أنت الوردة، من غيرك أنت ما فينا فايدة”