مقالات متنوعة

جذور العنف عند الطلاب

جذور العنف عند الطلاب

بقلم: د. عبير عاطف

مع انتشار العنف بشكل كبير داخل المدارس وفي المجتمع عمومًا يجب أن نطرح سؤال، من السبب فى هذا العنف؟ المعلمين، الأسرة، وسائل الإعلام، متغيرات الحياة، أم المجتمع؟

“من ضربك اضربه” عباره تربينا عليها تتردد في كل منزل ولكل طفل “خد حقك بإيدك إنت مش ضعيف”.

في عالم مليء بالتحديات والصراعات، قد يجد البعض أن الرد على العنف بالعنف هو السبيل الوحيد للدفاع عن النفس، ومع ذلك، فإن هذا النهج لا يؤدي إلا إلى مزيد من الألم والانقسام.

عبارات يرددها الآباء للأبناء دون أن يدركوا عواقبها، أصبحنا نسمع بشكل مستمر عن جرائم العنف التي تصل إلى حد القتل داخل المدارس.

العنف بين الطلاب في مصر أصبح قضية مقلقة تُنذر بالخطر وتؤثر على البيئة التعليمية، وفقًا لتقرير حقوقي -تقرير أصدرته مؤسسة ملتقى للحوار وحقوق الطفل- تم رصد حالات عنف داخل المدارس تتضمن اعتداءات بين الطلاب وعنف غير مبرر.

جذور العنف عند الطلاب

أصبحنا نرى أطفال بسلوك كبار، طفل يمارس العنف ليثبت رجولته كما تعلم في المنزل، كما أشار التقرير إلى أن العنف المدرسي يشمل التنمر والاعتداءات الجسدية، مما يؤثر سلبًا على العملية التعليمية والمجتمع بشكل عام.

 

التنمر

فيما يتعلق بحالات العنف التي أدت إلى القتل، هناك تقارير عن حوادث مؤسفة، على سبيل المثال.. وقعت حادثة في مدرسة ميكانيكية بمحافظة بورسعيد حيث لقي طالب حتفه على يد زميله إثر طعنة قاتلة.

 

وطفل بالصف الخامس يضرب زميله في منطقة حساسة يلقى مصرعه في الحال، فهل ندرك مدى الكارثة؟! طفل 11 عام يقتل زميله!!

هذه الحوادث تسلط الضوء على خطورة العنف بين الطلاب، وأهمية اتخاذ إجراءات وقائية فعالة داخل وخارج المدارس.

العنف عند الأطفال

ولكن قبل الإجراءات الوقائية لابد أن نسأل..

من أوصل هؤلاء الطلاب إلى ذلك؟! هل عنف البيت أم عنف المدرسة؟!

حسب إحصائيات الأمم المتحدة 264 مليون طفل على مستوى العالم سنويًا يلقون العنف في المدارس على يد المعلمين -لا نتهم المعلمين بشكل عام- ولكن نقول أن هناك فئة تمارس العنف مع الطلاب بشكل مدمر.

هناك مشهد فيديو نشرته وسائل التواصل الاجتماعي لمعلمة من محافظة الغربية تجردت من مبادئ الإنسانية لا ترتقي لمكانه أن تكون معلمة، تضرب طفلة صغيرة، تضربها بعنف على رأسها وتشد شعرها.

مشهد يحتاج منا الاعتذار لأجيال كثيرة، عذرًا يا صغيرتي هذا ليس خطؤك إنما خطؤنا كمجتمع لم يهتم بتأهيل المعلمين تربويًا، حتى وإن كنا أهلناهم فضغوط المهنة جردتهم من الإنسانية.

ليس هناك مبرر أيتها المعلمة لممارسة العنف بهذا الشكل لمجرد أن الطفلة أخطأت في القراءة،  يجب معاقبة هذه النماذج بشدة لأنهم يدمروا أجيال كاملة.

لا نقول لك ممنوع العقاب “فمن أمن العقاب أساء الأدب” ولكن أي عقاب! عاقبه ولكن على مقدار الخطأ، عاقبه للتأديب وليس للتعذيب.

وهناك عنصر هام جدًا في انتشار العنف بين الطلاب، ألا وهو وسائل الاعلام وما يقدم بها من محتوى يساعد على خلق أجيال عدوانية، فالطفل يقلد ما يراه دون تفكير.

وهناك عنصر هام ومؤثر جدًا في خلق الشخصية العدوانية، عنصر يضع البذرة والمجتمع المحيط يعمل على نموها وهو “الأسرة”.

تعتبر الأسرة النواة الأولى التي تشكل شخصية الطفل وسلوكه، ومن خلال التفاعلات اليومية والأساليب التربوية المتبعة يتعلم الأطفال القيم والأخلاقيات التي سيطبقونها في حياتهم.

ولكن ماذا يحدث عندما تكون هذه الأساليب قائمة على العنف والقسوة؟ تشير العديد من الدراسات إلى أن العنف الأسري وأسلوب التربية العنيفة يمكن أن يؤديان إلى تكوين سلوكيات عدوانية لدى الأطفال.

عندما يتعرض الطفل للضرب أو التوبيخ القاسي، فإنه يتعلم أن القوة والعنف هما الحلول الممكنة للمشكلات، مما ينعكس على تصرفاته مع أقرانه والمحيطين به.

إن فهم تأثير البيئة الأسرية على تكوين السلوكيات العدوانية يُعد خطوة أولى نحو إيجاد حلول فعالة للحد من هذه الظاهرة وتعزيز تربية إيجابية وصحية.

يعتبر العنف والعدوان عند الأطفال صناعة منزلية فهو يبدأ داخل جدران المنزل،  ويصل إلى جدران المدارس وفي حياتنا العامة نجد أولاد يمارسون العنف مع الجميع.

العنف بين الأطفال والمراهقين تجاه زملائهم أو الآخرين هو مشكلة متزايدة في المجتمعات الحديثة وفى مجتمعاتنا العربية انتشر بشكل واسع وخاصةً في المدارس.

أصبح عنف غير مبرر ينذر بالخطر، وغالبًا ما يكون للوالدين دور كبير في تشكيل هذه السلوكيات، يمكن أن يكون للعنف الأسري سواء كان جسديًا أو لفظيًا له تأثيرات طويلة الأمد على الأطفال، مما يؤدي إلى تبنيهم لسلوكيات عنيفة في المستقبل.

من خلال فهم العلاقة بين تصرفات الوالدين وسلوكيات الأبناء، يمكننا العمل على تطوير استراتيجيات فعالة للحد من هذه الظاهرة وتعزيز بيئة أسرية صحية تدعم النمو النفسي والاجتماعي السليم.

التربية الوالدية وعلاقتها بعنف الأبناء

ابني عنيف.. ما السبب وكيف أتعامل معه؟ هل العنف عند الأطفال سلوك يمكن التحكم فيه؟!

 يعتبر سلوك العنف بنسبه كبيرة صناعة أبوية (الأب – الأم)، تولد الأطفال بنفوس سوية يكون عالمهم هو الأسرة، الأم والأب هم معلموه الأوائل، يتعلم منهم كل شيء.

تشير العديد من الدراسات إلى أن الأسرة تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل سلوك الأطفال، بما في ذلك السلوكيات العنيفة.

إليك بعض النتائج المستخلصة من الدراسات حول هذا..

العنف الأسري: أظهرت دراسات أن الأطفال الذين ينشئون في بيئات تتسم بالعنف الأسري يتعرضون لخطر أكبر لتبني سلوكيات عنيفة. عندما يشهد الأطفال العنف أو يتعرضون له، يمكن أن يعتبروا ذلك سلوكًا مقبولًا أو طبيعيًا.

أساليب التربية القاسية: دراسة أخرى وجدت أن استخدام أساليب تربية قاسية مثل الضرب أو التوبيخ الشديد يمكن أن يؤدي إلى زيادة السلوكيات العدوانية لدى الأطفال.. االأطفال الذين يتعرضون للعنف الجسدي أو اللفظي في المنزل قد يلجؤون لاستخدام العنف كوسيلة لحل المشكلات.

نقص التواصل الإيجابي: البحث يشير إلى أن نقص التواصل الإيجابي بين الأهل والأطفال يساهم في زيادة السلوكيات العنيف.. الأطفال الذين لا يحصلون على الدعم العاطفي والإرشاد من أسرهم يمكن أن يشعروا بالإحباط والتوتر، مما يزيد من احتمالية تصرفاتهم العدوانية.

التقليد والتعلم: نظريات التعلم الاجتماعي تشير إلى أن الأطفال يتعلمون السلوكيات من خلال مشاهدة وتقليد الآخرين، وخاصة أفراد الأسرة. إذا كان الأهل يمارسون سلوكيات عنيفة، فمن المحتمل أن يتبنى الأطفال هذه السلوكيات.

التأثيرات طويلة الأمد: أوضحت الأبحاث أن التأثيرات السلبية للعنف الأسري وأسلوب التربية العنيف يمكن أن تستمر حتى بعد بلوغ الأطفال، مما يزيد من احتمالية تبنيهم سلوكيات عنيفة في علاقاتهم الشخصية والعملية في المستقبل.

هذه النقاط توضح كيف أن الأسرة يمكن أن تكون مصدرًا للعنف عند الأطفال، مما يستدعي أهمية التربية الإيجابية وتوفير بيئة أسرية داعمة ومحبة.

 فإذا وجدت ابنك يمارس العنف مع إخوته أو مع زملائه في المدرسة بشكل مخيف قد يصل إلى حد الجريمة كما بدأ يحدث مؤخرًا، هنا يجب أن تقف مع نفسك وتسألها..

كيف تعاملت معه حتى وصل إلى هذا الحد؟!

هل كنت سبب في سلوكه العدواني؟!

هل أخطأت في حقه؟!

هل عززت السلوك الإجرامي بداخله؟!

هل غرست بذور العدوانية داخله؟!

هل اتبعت أسلوب التربية السلبية بدلًا من استخدم أسلوب التربية الإيجابية؟!

إجابتك على نفسك تفهمك كيف وصل ابنك أو ابنتك إلى هذه الدرجة من العنف.

فإذا كانت التربية على أسس سليمة نشأ طفل متوازن الشخصية لديه القدرة على التوافق مع نفسه ومع الآخرين، قادر على نبذ العنف والتواصل الفعال، يتقبل الاختلاف.

لكن للأسف إذا كانت التربية على أسس غير سليمة، أخرجت هذه الأسرة طفل عنيف ليس لديه ثقة بنفسه أو بالآخرين، غير قادر على إقامة علاقات اجتماعية سليمة.

لو تأملنا مثلث ما سلو للاحتياجات الإنسانية نجد أن الإنسان يحتاج إلى الأمان الأسرى لكي ينشأ نشأة سليمة، وهنا نسأل سؤال هام جدًا..

هل العنف داخل الأسرة يؤثر على سلوك الطفل وعلى مستواه الدراسي؟!

جذور العنف عند الطلاب

أشارت الدراسات أن 85% من المشاكل السلوكية للأبناء سببها أسلوب التربية المتبع داخل الأسرة، هناك مناطق في الدماغ تتأثر بالتوتر والعنف الأسري يمكن أن تؤثر بشكل كبير على دماغ الأطفال، مما يؤدي إلى تغييرات في مناطق معينة من الدماغ.

 

إليك بعض المناطق التي تتأثر بالعنف الأسري:

 

. اللوزة الدماغية (Amygdala)

 العنف يمكن أن يؤدي إلى زيادة نشاط اللوزة الدماغية، وهي المسؤولة عن معالجة المشاعر مثل الخوف والقلق.. هذا يمكن أن يجعل الأطفال أكثر عرضة للقلق والخوف المفرط.

 الحصين (Hippocampus)

العنف يمكن أن يؤثر على الحصين، الذي يلعب دورًا مهمًا في تشكيل الذاكرة والتعلم.. الأطفال الذين يتعرضون للعنف قد يعانون من مشاكل في الذاكرة وصعوبات في التعلم.

القشرة الجبهية (Prefrontal Cortex)

 هذه المنطقة مسؤولة عن اتخاذ القرارات والتحكم في الانفعالات.. العنف يمكن أن يؤدي إلى ضعف في هذه الوظائف، مما يجعل الأطفال أكثر عرضة للسلوكيات العدوانية وصعوبة في التحكم في انفعالاتهم.

 الجهاز الحوفي (Limbic System)

يشمل هذا النظام عدة مناطق دماغية تعمل معًا لتنظيم المشاعر والسلوكيات.. العنف يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات في هذا النظام، مما يؤثر على الاستجابة العاطفية والسلوكية للأطفال.

 الجهاز العصبي المركزي (Central Nervous System)

 العنف يمكن أن يؤدي إلى تغييرات في الجهاز العصبي المركزي، مما يؤثر على كيفية استجابة الجسم للتوتر والضغط العصبي.

 القشرة الحسية (Sensory Cortex)

 يمكن أن يؤدي العنف إلى تغييرات في كيفية معالجة الأطفال للمعلومات الحسية، مما يجعلهم أكثر حساسية للأصوات العالية واللمسات المفاجئة.

هذه التأثيرات يمكن أن تكون طويلة الأمد وتؤثر على نمو الأطفال وتطورهم العقلي والعاطفي، من المهم توفير بيئة آمنة وداعمة للأطفال لمساعدتهم على التعافي والنمو بشكل صحي.

جذور العنف عند الطلاب

ومن هنا نجد أن الأسرة هي المصدر الأول لصناعة العنف وصناعة التنمر داخل المجتمع. نحن في حاجة إلى أن نحبهم بطريقة صحيحة، نتعامل معهم بطريقة صحيحة، نكون على وعي كامل بخصائصهم العمرية حتى يتثنى لنا التعامل معهم وفقًا لذلك.

العقاب له حدود شرعية وتربوية ويجب في جميع الأحوال عدم ممارسة العقاب البدني،  هناك أساليب تربوية غير الضرب ومؤثره تساعد في تعديل السلوك، أما الضرب فيخلق طلابًا لا مبالين لا يفرق معهم أي عقاب.

العنف داخل المدارس وفى المجتمع سببه التربية الأسرية العنيفة والتعامل غير التربوي في المدارس.

العنف لا يولد إلا العنف

حدث نفسك إذا أخطأت في اختيار شريك الحياة سواء الزوجة أو الزوج فلا تُحمل أبنائك نتيجة ذلك فليس لهم ذنب.

إذا كانت ضغوط العمل كثيرة والظروف الاقتصادية صعبة فلا تخرج غضبك على الطلاب ليس لهم ذنب..

تذكر جيدًا أن أبنائنا مرآة لسلوكنا.

نحافظ على الأمانة التي وهبها الله لنا  نحتاج توعية المعلمين جيدًا بالأضرار النفسية والاجتماعية للعقاب البدني.

لا تكن سببًا في نشأة جيل عنيف  نحتاج توعية الوالدين بأساليب التربية بلا عنف، نحتاج أن يكون في رقابة على المحتوى الذي تعرضه وسائل الإعلام، وخاصةً التليفزيون.

جذور العنف عند الطلاب

نحتاج يكون في برامج توعوية تعلم الأطفال التعبير الإيجابي عن الغضب  ونبذ العنف.

نحتاج أن نُفعل الإرشاد الديني للطلاب ليتعلموا عدم ممارسة العنف، نربيه على مبدأ “من حقك أن تغضب لكن ليس من حقك أن تمارس العنف”.

نحتاج أن نربي أنفسنا معلمين وأولياء أمور مع طلابنا وأولادنا، التربية بالقدوة.. أن نكون قدوة داخل المنازل وداخل المؤسسات التربوية للتعامل بدون عنف.

وختامًا

“التربية ليست فقط مسؤولية البيت أو المدرسة، بل هي نسيج متكامل من الحب والاحترام والتفاهم يُحاك في كل لحظة، فلنُعلم أبناءنا أن الكلمات الطيبة والتواصل الإيجابي هما أعظم أسلحة ضد العنف، لنزرع بذور السلام في قلوبهم ونرى أجيالًا تتبنى قيم التسامح والمحبة.”

“العنف ليس حلًا، بل هو بداية لمشاكل أكبر، لنزرع في قلوب أطفالنا قيم التسامح والاحترام، لنحصد جيلًا واعيًا ومسؤولًا”.

عبير طه سعد

عبير طه سعد رمضان، حاصلة على ليسانس آداب قسم اللغة الفرنسية من جامعة المنصورة عام 2005. تعمل في الصحافة منذ سنوات، وتشغل حالياً رئاسة قسم الديسك بجريدة العدد الأول، بعد توليها رئاسة قسم المقالات بنفس الجريدة. متخصصة في التحرير والمراجعة اللغوية، وتتميز بالدقة والاهتمام بالأسلوب الصحفي المتوافق مع معايير الكتابة الصحفية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي