مقالات متنوعة

المنافسة والتناحر لكسب مكانة في المجتمع

المنافسة والتناحر لكسب مكانة في المجتمع

 

بقلم: وفاء ممدوح

 

المنافسة والتناحر لكسب مكانة في المجتمع

في كل مجتمعٍ نابضٍ بالحياة، تتشكل ملامح التقدّم من خلال سعي أفراده نحو التميز. فالمنافسة هي النبض الذي يحرك عجلة التطور، وهي النار التي تصهر المعادن لتُنتج من الإنسان أفضل ما فيه. غير أن بين المنافسة والتناحر شعرةً رفيعة، إذا انقطعت، انقلب السعي الشريف إلى حربٍ صامتة، تُدمّر ما تبنيه الأيدي الطاهرة.

 

منذ فجر التاريخ، والإنسان يحمل في داخله رغبةً عارمة في أن يكون الأفضل، أن يُسمع صوته، ويُعرف اسمه، ويُذكر أثره. إنها فطرة الله التي فطر الناس عليها، أن يتطلّع كلّ واحدٍ منهم إلى مكانٍ يليق بقدراته. ولكن حين تَسكن في القلب نزعة الغرور، ويتسلل الحسد إلى النفوس، تتحوّل الرغبة في التفوق إلى سباقٍ مريض، لا يربح فيه أحد.

 

في مجتمع اليوم، تتجلى صور المنافسة في كل مجال: في العمل، والعلم، والفن، وحتى في المظاهر والحياة الاجتماعية. نرى من يسعى بجهده، ويتعب بصمت، ليبني مجده لبنةً فوق لبنة، بينما هناك آخرون يختصرون الطريق بالتحايل، والادعاء، والنيل من غيرهم. هؤلاء لا يريدون النجاح بقدر ما يريدون سقوط الآخرين، وكأن الساحة لا تتسع إلا لفائزٍ واحد.

 

المكانة الحقيقية في المجتمع لا تُشترى، ولا تُفرض، ولا تُكتسب بالادعاء. إنها تُنتزع بالعمل المتقن، والسيرة الطيبة، والقدرة على الإضافة. فكل إنسان يترك أثرًا، لكن ليس كل أثرٍ يدوم. هناك من يمرّ مرور العابرين، وهناك من يخلّد اسمه بما قدّم. ومن أراد أن يصعد، فعليه أن يتعلم أولًا كيف يمدّ يده لا ليدفع أحدًا إلى الخلف، بل ليساعد نفسه والآخرين على الارتقاء معًا.

 

إن أخطر ما في التناحر أنه يزرع في المجتمع روح الشكّ والعداوة، فيتحوّل التنافس من قوة بناء إلى معول هدم. حين يتسابق الناس لإسقاط بعضهم، يضعف الإبداع، ويخبو الشغف، ويتحوّل الطموح إلى أداة انتقام. وتضيع القيم شيئًا فشيئًا، لأن الجميع يلهثون وراء الضوء، لا وراء القيمة.

 

أما المجتمعات الراسخة، فهي التي تُشجّع أبناءها على التنافس الشريف، وتزرع فيهم الإيمان بأن النجاح يتّسع للجميع، وأن العظمة لا تُقاس بعلوّ الصوت، بل بصدق الأثر. ففي النهاية، لا تُخلّد الأيام من جلس على العرش ظلمًا، بل من ترك وراءه بصمةً تضيء للآخرين الطريق.

 

المنافسة الشريفة تُهذّب الإنسان، تزرع فيه الصبر والإصرار، وتدفعه لأن يُنضج موهبته ويُعمّق فكره. أما التناحر، فلا يورّث إلا المرارة، لأن من يحارب الآخرين لينتصر، يكون قد خسر نفسه أولًا.

 

لذلك، فلنجعل من المنافسة جسرًا نحو التطور، لا ساحة صراع. ولنتذكّر أن المكانة لا تُكتسب بالصوت المرتفع، بل بالفعل الهادئ، ولا تُصنع بالكلام، بل بالعمل. ومن أراد أن يُحترم، فليعمل في صمتٍ ويترك عمله يتحدث عنه، فالمجد الحقيقي لا يُصنع في ضوضاء المعارك، بل في هدوء الإخلاص.

 

عبير طه سعد

عبير طه سعد رمضان، حاصلة على ليسانس آداب قسم اللغة الفرنسية من جامعة المنصورة عام 2005. تعمل في الصحافة منذ سنوات، وتشغل حالياً رئاسة قسم الديسك بجريدة العدد الأول، بعد توليها رئاسة قسم المقالات بنفس الجريدة. متخصصة في التحرير والمراجعة اللغوية، وتتميز بالدقة والاهتمام بالأسلوب الصحفي المتوافق مع معايير الكتابة الصحفية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي