
أسرار بناء الحبكة في قصص القرآن الكريم- قصة فرعون وهامان
بقلم: مصطفى نصر
وردت كلمة (هامان) في القرآن الكريم ست مرات.. ثلاثاً في سورة القصص، وواحدة في سورة العنكبوت، واثنتين في سورة غافر، ففي سورة القصص يقول الله تعالى:
{وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ}
[القصص:6]
وفيها قول تعالى:
{إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}
[القصص:8]
وفيها قوله تعالى:
{فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ}
[القصص:38]
وفي سورة العنكبوت يقول الله تعالى:
{وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ}
[العنكبوت:39]
وفي سورة غافر يقول الله تعالى:
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ* إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ}
[غافر:23-24]
وفيها يقول الله تعالى:
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ}
[غافر: 36]

هامان لم يقدم القرآن الكريم أي تفاصيل حوله، وقيل أنه لم يذكر أبداً في التوراة، لكن هناك رواية قالت إنه ورد في التوراة اسم هامان في الكتاب المقدس العبري: سفر أستير أنه هامان ابن حمداثا الأجاجي، وبعدما تم تنصيب هامان في منصب الوزير الرئيسي للملك أحشويروش كان مطلوب من كل خدم الملك ان يسجدوا لهامان، إلا أن مردخاي رفض هذا الامر.
فريق آخر يرى أن هامان هذا ليس وزير فرعون الذي ذكر في القرآن، بل هو وزير أحشويروش وهو ملك فارسي عاش في حقبة غير حقبة فرعون مصر، وهذا ذكر أنه مات منتحرًا وليس غرقًا كما ذُكر القرآن الكريم.
وقد قام بالبحث والتقصي عن سر هذا الاسم الباحث الفرنسي موريس بوكاي، فذهب إلى أحد الفرنسيين المختصين فى تاريخ مصر القديمة، وعرض عليه الاسم، وطلب منه ترجمة معنى هذا الاسم باللغة الهيروغليفية، فأتى له الخبير بكتاب قاموس أسماء الأشخاص في الإمبراطورية الفرعونية، وفتح الكتاب وكانت المفاجأة أكبر من أى تصور، كان هامان هو معنى وليس اسم شخص، فهامان: هو لقب رئيس عمّال مقالع الحجر أيًا كان اسمه !!
قال (موريس بوكاي) للخبير:
“لو قلت لك أني قد وجدت مخطوطة منذ أكثر من 1400 سنة كتب فيها أن هامان كان وزير فرعون ورئيسًا للمعماريين والبنائين ماذا تقول في ذلك؟”
انتفض الخبير من مكانه وصرخ قائلا:
“مستحيل هذا الاسم لم يرد ذكره إلا على الأحجار الأثرية لمصر القديمة وبالخط الهيروغليفي، أحدها موجود في متحف “هوف” في “فِيَنا” عاصمة النمسا وهذه المعلومة لا يذكرها إلا شخص قام بفك رموز اللغة الهيروغليفية وعرف معنى كلمة هامان وهذا لم يتم إلا عام 1822 أين هذه المخطوطة ؟”
حينئذ فتح (موريس بوكاي) نسخة مترجمة من القرآن وقال له اقرأ فهذا هو معجزة محمد: “القرآن الكريم”.
قال تعالى:
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِين}.
فأسلم الرجل وقال: ما هذا كتاب بشري.
هامان الذي نتحدث عنه الآن وتحدث عنه القرآن الكريم كان شخصية رفيعة المستوى، لم يكن فرعون يفصل في أمر إلا بعد مشورته، ولم يقتصر دوره على الدور السياسي للوزراء، بل كان يسيطر أيضًا على جانب الشؤون المعمارية على مستوى الدولة كاملة، وبنسب إليه بناء الأهرامات الفرعونية، وأشرف على معظم العمارة الفرعونية.

وعلى الرغم من أن أمر فرعون ببناء صرح يرى من فوقه إله موسى يبدو أنه طلب عبثي تهكمي، إلا أن بعض المؤرخين أوردوا ما يفيد بأن الصرح تم بناؤه فعلًا في تلة مرتفعة بالأقصر المدينة الدينية والملكية القديمة في منطقة تسمى “الكوم الأخضر” جنوب شرق معبد الكرنك، وبقايا الصرح ما زالت باقية بالموقع المذكور، سوى أن بعض الباحثين يرون أنها ليست الصرح، بل كانت منصة لتثبيت التلسكوب، بنيت من الطين المحروق، وليس من الحجر كالأهرامات، وعلى الرغم مما ثبت في المصادر القديمة من وجود تلسكوب في ذلك الوقت مصنوع من الطين وعدسات عملاقة، لكنا لا نستطيع الجزم إن كان التلسكوب هو مخصص لدراسات علم الفلك أم بني خصيصا ليرى فرعون عبره إله موسى.
* جماليات السرد والبناء الدرامي واللغوي
في الآيات القرآنية التي تتحدث عن هامان تتجلى في عدة جوانب جماليات السرد والدراما واللغة تُبرز الإعجاز البلاغي للقرآن.
سنتناول هذه الجوانب بالتركيز على الآيات الست التي ورد فيها ذكر هامان (القصص: 6، 8، 38؛ العنكبوت: 39؛ غافر: 24، 36-37)، مع تحليل السرد، الدراما، واللغة.
1. جماليات السرد:
السرد القرآني في قصة هامان يتميز بالإيجاز المعجز والتركيز على العبرة الأخلاقية بدلاً من التفاصيل التاريخية. الجوانب البارزة تشمل:
– السياق التاريخي الموحي:
يُقدم هامان كجزء من ثالوث الطغيان (فرعون، هامان، قارون) في سياق قصة موسى. هذا الثالوث يُبرز تنوع أشكال الفساد (السلطة السياسية، الدعم التنفيذي، والثروة).
على سبيل المثال، في سورة العنكبوت (29:39): {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ}
يُجمع السرد بين هذه الشخصيات ليُظهر وحدة المصير رغم تنوع الأدوار. ويظهر هنا التكثيف السردي حيث إن القرآن لا يُطيل في وصف هامان، بل يُركز على دوره الوظيفي (تنفيذ أوامر فرعون).
في سورة القصص (28:38)، يُطلب من هامان بناء الصرح في جملة موجزة:
{فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْ عَلْ لِي صَرْحًا}.
هذا الإيجاز يُركز على الهدف الدرامي (تحدي إله موسى) دون إغراق في التفاصيل.
– التكرار المقصود:
ذكر هامان في سياقات مختلفة (القصص، العنكبوت، غافر) يعزز من حضوره كرمز للطغيان المساند لفرعون، مما يُكرر الفكرة المركزية للقصة: معارضة الحق ونتائجها.
2. البناء الدرامي:
البناء الدرامي في هذه الآيات يعتمد على خلق توتر وتصعيد يعكسان صراع الحق والباطل:
– تصعيد الصراع:
في سورة القصص (28:38) وسورة غافر (40:36-37)، يظهر هامان كأداة تنفيذية لتحدي فرعون لموسى. طلب منه فرعون بناء الصرح للوصول إلى “إله موسى” يُظهر غرور فرعون وسخريته، ودور هامان يُضفي طابعًا عمليًا لهذا التحدي. الصرح نفسه يُمثل رمزًا دراميًا للغطرسة، حيث يُحاول فرعون محاكاة السمو الإلهي بوسائل مادية.
– التوازن بين الشخصيات:
– هامان يُقدم كشخصية ثانوية ولكنها حاسمة، دوره ليس قياديًا كفرعون، بل تنفيذي، مما يُبرز التسلسل الهرمي في النظام الظالم، هذا التوازن يُضفي عمقًا دراميًا، حيث يُظهر كيف يعتمد الطغيان على شبكة من الأعوان.
– ذروة التوتر:
في سورة غافر (40:24)، يصف رد فعل فرعون وهامان وقارون على دعوة موسى: “فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ”. هذه العبارة القصيرة تُلخص ذروة الصراع، حيث يتحد الثالوث في رفض الحق، مما يُمهد لعاقبتهم.
3. الجماليات اللغوية:
اللغة القرآنية في هذه الآيات تتميز بالدقة والإيحاء والإيقاع:
– الإيجاز البلاغي:
الجمل القصيرة والمباشرة، مثل “فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ ” (القصص: 38)، تحمل طاقة درامية عالية. استخدام الأمر المباشر “فَأَوْقِدْ” يُبرز سلطة فرعون وخضوع هامان، مع إيجاز يُركز على الهدف.
– التشخيص والحوار:
الحوار بين فرعون وهامان (القصص: 38، غافر: 36-37) يُضفي حيوية على السرد. عبارة “يَا هَامَانُ” تُظهر العلاقة الهرمية وتُضفي طابعًا شخصيًا يجعل المشهد حيًا في ذهن القارئ.
– الإيقاع والتوازن:
الآيات تحمل إيقاعًا متوازنًا، خاصة في الجمع بين أسماء الشخصيات (فرعون، هامان، قارون) في سورة العنكبوت (29:39) وغافر (40:24). هذا التوازن يُعزز من إحساس الوحدة في المعارضة للحق.
– الصور البلاغية:
– طلب بناء الصرح في القصص (28:38) وغافر (40:36-37) يحمل صورة رمزية قوية. فكرة “الأسباب” و”الاطلاع إلى إله موسى” تُظهر السخرية والغرور بأسلوب بلاغي يجمع بين التحدي والعبثية.
4. الدلالات الرمزية:
– هامان كرمز:
يُمثل النموذج الأعلى للتابع الذي يساند الظلم. دوره كمنفذ لأوامر فرعون يُبرز فكرة أن الطغيان لا يقتصر على الحاكم، بل يمتد إلى شبكة من المساندين.
– الصرح كرمز درامي:
هو ليس مجرد بناء مادي، بل يُمثل محاولة عبثية لتحدي الحق الإلهي، مما يُضفي عمقًا رمزيًا على السرد.
– التكامل مع القصة الكبرى:
قصة هامان تتكامل مع قصة موسى وفرعون لتُبرز الصراع الأزلي بين الحق والباطل، مع إبراز العاقبة الإلهية للظالمين.
* الخلاصة:
الآيات تُظهر براعة السرد القرآني في الجمع بين الإيجاز والعمق الدرامي. السرد يُركز على العبرة الأخلاقية، بينما البناء الدرامي يُبرز الصراع بين الحق والباطل من خلال تصعيد التوتر وتصوير العلاقات الهرمية. اللغة تتسم بالدقة والإيقاع والصور البلاغية التي تُعزز من قوة المشهد وتجعله حيًا في الذهن.
هامان، رغم دوره الثانوي، يُشكل جزءًا حيويًا من هذا السرد، مُجسدًا دور التابع الذي يُساهم في استمرار الظلم.
خصائص القصة القصيرة في نص هامان السرد موجز، يركز على دور هامان كمساند لفرعون دون تفاصيل زائد، الوحدة الموضوعية تركز على صراع الحق والباطل، مع هامان كرمز للطغيان، والبناء الدرامي بتصعيد التوتر عبر تحدي فرعون لموسى (مثل طلب بناء الصرح)، مع ذروة في رفض الحق.
الشخصيات المحدودة:
هامان جزء من ثالوث (فرعون، هامان، قارون)، مما يعزز التركيز أيضا جمل قصيرة، حوار مباشر (مثل “يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا”)، وصور رمزية (الصرح كتحدٍ عبثي)، العبرة الأخلاقية بإبراز عاقبة الظلم والاستكبار كغرض مركزي للقصة.














