
عهدٌ… لا يهزمه الزمن
بقلم: مراكشي رهواجة
وبين لقاءٍ ووداع… تولد لحظاتٌ لا يهزمها الزمن، ولا تمحوها السنون. تغرس جذورها في أعماق الذاكرة، ويسقيها الإحساس حتى تصبح جزءًا من نبض القلب؛ فالقلب أرضٌ لا ترفض بذور العاطفة حين تأتي على غير موعد.
وبين لقاءٍ ووداع… تصبح لحظات القرب أشرعةً لسفن الرحيل، لكنها لا تقود إلى النسيان، بل تهدي الروح إلى وطنٍ سكنك قبل أن تسكنه، ووضع في أعماقك عنوانًا لا تضل عنه مهما ابتعدت المسافات.
وبين لقاءٍ ووداع… تجلس الكلمات حول مائدة الصمت، بينما تتعانق النظرات في فضاء الأحلام. تُكتب القصائد لا بالحبر، بل بخفقات القلب، فتغدو زادًا للروح، وماءً يروي ظمأ الحنين، ورفيقًا يمشي معك في الطرقات، وعلى شاطئ البحر، وتحت ضوء القمر…
هناك، حيث لا يسمع الهمس إلا القلب، تردد في صمت: سأبقى على العهد… مهما تبدلت الفصول، ومهما فرّقتنا الطرق.
فأنت تتنفس الهواء ذاته، وتقف تحت السماء نفسها، وتمد يدك إلى شجرة اللقاء، تنقش على جذعها اسمًا لا تمحوه الأعوام. تقطف من أغصانها ثمار الذكريات، وتتذوقها، فتعود سنواتٍ إلى الوراء، حيث كان الزمن أكثر نقاءً، وكانت الأرواح تعرف طريقها إلى بعضها دون دليل.
وحين يمطرك الماضي برذاذ المشاعر، تدرك أن الزمن لا يقاس بالعمر، بل بما تركته الأرواح في أرواحنا. فتصبح الذكريات جسرًا تعبر عليه المسافات، وتلتقي عنده الأزمنة، فيتصافح الغائب والحاضر دون موعد.
ومع كل إشراقة فجر، وامتداد خيوط الشمس، تمر ببستان القلب؛ ذاك القلب الذي آوى يتم إحساسك، فتنهل من رحيق معانيه، وتخط على جدرانه أمنياتٍ لا تشيخ، ثم تطلقها فراشاتٍ تحلّق في ربيع أيامك، كلما أوشكت الروح على الذبول.
هي كلماتٌ نُسجت من خيوط الحلم، وعُلقت أمنياتها على نجوم السماء، تخاطبها كل مساء، فتعود إليك بما يعيد ترتيب الفوضى في العقل، ويعيد الاتزان إلى القلب.
فيظل العهد بينكما حبلًا لا ينقطع، ووصالًا لا تهزمه الغربة.
وفوق جسر الانتظار، تقف الروح يقظةً، تترقب ذلك الضياء القادم من أقاصي الغياب، ليعيد عقارب الزمن إلى لحظة البداية… إلى اللحظة التي كُتب فيها هذا اللقاء قبل أن تُكتب أعمارنا.
فبعض العهود… لا تبدأ حين نلتقي، بل تكون قد كُتبت في الغيب قبل أن نولد بسنين.













