أدبيثقافةفنمقالات متنوعة

البوهيمية ما هي؟!

البوهيمية ما هي؟!

بقلم: مصطفى نصر 

“البوهيمية” هي أسلوب حياة غير تقليدي أو ثقافة مرتبطة بالفنانين والكتاب والمبدعين الذين يعيشون حياتهم في فوضى عارمة، وحياة حرة بعيدًا عن القواعد الاجتماعية الصارمة، وبعيدًا أيضًا عن قواعد ومسلمات صياغة النصوص.

يرتضخون نصوصهم بطرق وأساليب تعكس روح التمرد والخروج على القواعد البرجوازية التي كانت سائدة في المجتمع، ولعل أبرز شعراء البوهيميين بودلير الذي لقب بالشاعر الرجيم، لأنه دعا في شعره لكل أصناف الغواية والانحراف، لذا عاش الجحيم خلال حياته القصيرة العليلة، لم يحظ خلالها إلا بانتقادات لشعره تصل إلى درجة الشتيمة والاستهانة به، حيث كانوا يشبهون شعره بكومة من القاذورات والفضلات، كما لم يستطع في حياته القصيرة من التحرر من ضغوط دائنيه، ماعدا واحدة كانت تركن إليها روحه القلقة المتعبة، هي جين دوفال التي كان يقول عنها: “إنها تضمد الجراح التي في عقلي”، وديوانه “أزهار الشر” واحد من أعظم دوايين الشعر التي ظهرت على مر العصور، صدر هذا الديوان عام 1855.

بودلير.. الشاعر الرجيم

وهذه العبارة مستمدة من منطقة “بوهيميا” التاريخية في أوروبا أرض الغجر الذين لا يتقيدون بأي قيود، وهي المنطقة الواقعة الآن في جمهورية التشيك، وهي تحتل الأجزاء الغربية ومعظم الأجزاء الوسطى من جمهورية التشيك. تبلغ مساحتها نحو 52,750 كم ويقطنها 6.25 مليون شخص من أصل 10.3 مليون شخص هم سكان التشيك.

أسلوب الشعراء البوهيميين يعكس غالبًا روح الحرية، التمرد، والعاطفة الجياشة التي تميزت بها الحياة البوهيمية. هؤلاء الشعراء، الذين عاشوا غالبًا على هامش المجتمع التقليدي، كانوا يميلون إلى كتابة شعر يتحدى القواعد الأدبية الصارمة، ويعبر عن تجاربهم الشخصية، أحلامهم، وأحيانًا معاناتهم.

دعني أوضح لك خصائص أسلوبهم مع أمثلة عامة:

خصائص أسلوب الشعراء البوهيميين:

1. الحرية في التعبير:

   الشعراء البوهيميون لم يكونوا مقيدين بالأشكال التقليدية للشعر مثل القافية المنتظمة أو الأوزان الصارمة، كانوا يفضلون الكتابة بلغة عفوية وطبيعية تعبر عن أفكارهم دون قيود.

2. الرومانسية والعاطفة:

تأثر العديد منهم بالرومانسية، مع التركيز على المشاعر الداخلية، الحب، الحنين، أو حتى الألم. على سبيل المثال، الشاعر الفرنسي شارل بودلير، الذي يُعتبر أحيانًا بوهيميًا في روح أعماله، كتب في “أزهار الشر” عن الجمال في الأماكن المظلمة والمحرمة.

3. التمرد على المجتمع:

كان شعرهم يعكس رفض القيم البرجوازية مثل المادية والسلطة. الشاعر الإنجليزي اللورد بايرون، على الرغم من أنه ليس بوهيميًا بالمعنى الحرفي، شارك هذا الروح الثائرة في قصائده التي تمجد الحرية الفردية.

4. تصوير الحياة البوهيمية:

 ⁠كثيرًا ما كتبوا عن حياتهم اليومية.. الفقر، الحانات، الحب العابر، والفن. على سبيل المثال، الشاعر الفرنسي بول فيرلين كتب عن الحياة الليلية والعلاقات العاطفية بأسلوب مليء بالصور الحسية.

5. الصور الشعرية الجريئة:

   استخدموا لغة غنية بالاستعارات والرموز، غالبًا مستوحاة من الطبيعة أو العالم الحضري الذي عاشوا فيه. شعر آرثر رامبو، مثلًا، يمتاز بالخيال الجامح والصور غير التقليدية.

 أمثلة من شعراء بوهيميين:

– شارل بودلير: في قصيدته “الرحيل”، يدعو إلى الهروب من الواقع نحو عالم مثالي، وهو شعور بوهيمي نمطي.

– بول فيرلين: في “أغنية خريفية”، يمزج بين الحزن والجمال بأسلوب موسيقي رقيق.

– آرثر رامبو : في “الموسم في الجحيم”، يقدم رؤية متمردة وصوفية تعكس رفضه للعالم التقليدي.

آرثر رامبو

تأثير أسلوب حياتهم:

الشعراء البوهيميون عاشوا غالبًا في مجتمعات فنية صغيرة، مثل حي مونمارتر في باريس، وكانوا يتأثرون ببعضهم البعض، حياتهم المليئة بالمغامرات، العزلة أحيانًا، والإفراط أحيانًا أخرى (كالخمر أو المخدرات)، انعكست في شعرهم كمزيج من الإلهام والمأساة.

نموذج من أشعار آرثر رامبو، أحد الشعراء البوهيميين، وهو شعر يعكس حالة التشتت التي يعيشها الشاعر البوهيمي من ألم وتشرد وعذاب وهي أشعار تضج بالكآبة هذه ليست فانتازيا أدبية، ولكن رامبو يرسم هنا صورة لمعاناته الحقيقية حيث كان هكذا فعلًا ما بين السادسة عشرة وحتى العشرين من عمره

مثاليا : كان يرتدي معطفا قديمًا مستعملًا لدرجة أن ذلك المعطف توقف عن أن يكون حقيقة بل صار شيئا مثاليًا بعيدًا عن الواقع الملموس يقول في ذلك:

إنها مستعادة

 ماذا ؟ الأبدية.

إنها البحر المتوافق مع الشمس.

أيتها الروح المترصدة

فلنوشوش الاعتراف

عن الليل الباطل جدًا

والنهار الملتهب.

من الآراء البشرية

والحماسات الشاسعة

هنا تنعقين

وتطيرين على هواك.

هنا لا أمل

ولا شروق

علم مع صبر

العذاب أكيد.

إنها مستعادة

ماذا؟ الأبدية.

إنها البحر المتوافق

مع الشمس.

———————

لقد باتت صحتي مهددة.

وراح الرعب يقترب.

كنت أسقط في إغفاءات لعدة أيام وأُكمل

وقد استيقظت أكثر الأحلام كآبة.

كنت ناضجًا للموت وكان ضعفي يقودني

على درب محفوفة بالمخاطر،

إلى تخوم العالم ((السيميري))

موطن الظلام والزوابع.

كان على أن أسافر

أن ألهي الفتون المتجمعة فوق دماغي

على البحر الذي أحببته

كما لو كان عليه أن يغسلني من لوثه

وبعد:

كنا مع ثلة من الشعراء البوهيميين يشبهون في تفاصيل حياتهم الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي، الذين عاشوا في عزلة من قبائلهم التي لفظتهم، من أمثال عروة بن الورد وتأبط شرا وسليك بن السلكة، يلتقون في حالة التشتت والضياع، وفقد الأمل في مجتمعاتهم التي فارقوها بعد أن لفظتهم لتمردهم، وأيضًا يلتقون في التمرد على تقاليد القصيدة.

عبير طه سعد

عبير طه سعد رمضان، حاصلة على ليسانس آداب قسم اللغة الفرنسية من جامعة المنصورة عام 2005. تعمل في الصحافة منذ سنوات، وتشغل حالياً رئاسة قسم الديسك بجريدة العدد الأول، بعد توليها رئاسة قسم المقالات بنفس الجريدة. متخصصة في التحرير والمراجعة اللغوية، وتتميز بالدقة والاهتمام بالأسلوب الصحفي المتوافق مع معايير الكتابة الصحفية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي