دينيمقالات متنوعة
أخر الأخبار

القصص القرآنية.. أسرار بناء الحبكة “3”

قصة ذي القرنين

 

من هو ذو القرنين؟

 

روى الحاكم (104) والبيهقي (18050) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم:

“وَمَا أَدْرِي ذَا الْقَرْنَيْنِ أَنَبِيّاً كانَ أَمْ لاَ” لكن معظم الآراء على أنه حاكم صالح، وذو القرنين شخصية ذُكرت في القرآن الكريم، في سورة الكهف (الآيات 83-98)، وهو رجل صالح وملك عادل وصف بأنه حاكم قوي سافر إلى أطراف الأرض، وقام بأعمال عظيمة مثل بناء سد لصد هجمات يأجوج ومأجوج. اسمه يعني “صاحب القرنين”، وقد اختلف المفسرون حول هويته الحقيقية:

 

1. الرأي الأكثر شيوعًا:

 

يُرجح بعض المفسرين والمؤرخين أنه قد يكون الإسكندر الأكبر (الإسكندر المقدوني)، لكن هذا الرأي مثار جدل لأن الإسكندر في التاريخ لم يُعرف بالصلاح أو التوحيد، بينما ذو القرنين في القرآن وصف بالإيمان والعدل.

 

2. تفسيرات أخرى:

 

تقول إنه قد يكون ملكًا من ملوك حمير في اليمن، مثل شمر يرعش، الذي كان يُلقب بذي القرنين بسبب سلطته على الشرق والغرب.

   – وهنالك رواية ثالثة بأنه ربما كورش الكبير (ملك الفرس)، الذي عُرف بالعدل وفتوحاته الواسعة، ويُشار إليه في بعض المصادر الدينية كملك صالح.

   – وهناك رأي رابع يرى أنه ربما يكون شخصية رمزية وليست تاريخية تدل على شخص بعينه.

 

لماذا لقب بـ”ذي القرنين”؟ 

 

“القرنين” قد يُشيرا إلى: واحد مما يلي:

  – قيل إن القرنين هما الشرق والغرب (كناية عن اتساع ملكه).

  – ورواية ثانية ذهبت إلى أنه تاج بقرنين أو رمز ملكي.

  – ورواية ثالثة ترى أن القرنين ربما فيهما إشارة لقوتين أو استمر حكمه لقرنين مائتي عام.

 

القرآن لا يحدد هويته بدقة، مما يترك المجال للتفسيرات المخلفة، الأهم في القصص القراني ليس الأشخاص، بل هو الدروس المستفادة من قصصهم مثل قيم العدل، القوة في خدمة الخير، والإيمان بالله.

 

البناء السردي..

 

قصة ذي القرنين هي قصة قصيرة كاملة الأركان تمتاز بالاختصار لم يحدد صورة دقيقة لذي القرنين ولا لقومه ولا لزمانه ولا لمكانه، إذ أن الهدف هو المغزى والعبرة، كما أنها تمتاز بالتكثيف حيث لم يسهب في الوصف والتفاصيل غير الضرورية وبناء الأشخاص على وجه الإسهاب، كل ما ركز عليه هو الخصائص الوجدانية لبطل الرواية ذي القرنين، مع وحدة الحدث ووحدة الزمان ووحدة المكان وقلة الشخوص وعدم التركيز قي الوجوه والصور والأمكنة والمشاهد، والخصائص الشكلية والنفسية الوجدانية للأبطال، اذ جاءت شخصياته مسطحة غير واضحة المعالم لغير البطل ذي القرنين. 

 

تحليل..

فيما يلي تحليل فني للحبكة القصصية والزمان والمكان وأساليب العرض من سرد ووصف وحوار:

 

أولاً: الحبكة القصصية..

 

1. البداية: تبدأ القصة بوصف ذي القرنين كملك عادل وحكيم، يمتلك قوة وصلاحًا.

2. الوسط: تتطور القصة مع رحلات ذي القرنين إلى مشرق الشمس ومغربها، ومواجهته لقوم مختلفين، بما في ذلك يأجوج ومأجوج.

3. الحل: ينتهي الجزء الرئيسي من القصة ببناء ذي القرنين للسد لحماية القوم الضعفاء من يأجوج ومأجوج.

 

ثانياً: الزمان والمكان..

 

1. الزمان غير محدد بدقة في القصة، ولكن يُعتقد أنه في فترة تاريخية قديمة.

2. والمكان يمتد من مشرق الشمس إلى مغربها، ويشمل مناطق مختلفة، بما في ذلك المنطقة بين السدين حيث يسكن يأجوج ومأجوج.

 

ثالثا: أسلوب العرض..

1. السرد المباشر: القصة تُروى بشكل مباشر ومقتضب، مما يعزز من تأثيرها.

2. ⁠الوصف: لبعض التفاصيل المعمارية والهيدرولوكية لمكونات السد، وطريقة صهر مكوناته.

3. ⁠الحوار: جاء محدودا ولتعزيز فكرة اختصار الحوار جعل قومه: (لا يكادون يفقهون قولا) وامتد الحوار لبيان القيمة المقابلة للعمل، ومبدأ التعاون في البناء

٤- الاستخدام الرمزي: القصة تستخدم الرموز، مثل مشرق الشمس ومغربها ويأجوج ومأجوج، والسد القطر وزبر الحديد لتعزيز الفهم والدلالة.

3. _التأثير العاطفي: القصة تثير مشاعر الإعجاب والاحترام لذي القرنين، وتثير القلق بشأن يأجوج ومأجوج.

 

٤- المستوى اللغوي..

 

استخدم المولى -عز وجل- كلمات واضحة الدلالة الحديد زبر اي قطع متساوية الأطوال، والنحاس “قطر” أي مذاب وخشب بين اللوحين، انفخوا أي في النار دليل على صهر المكونات بالنار.

بشكل كامل، ويمسك بين طرفيها الخشب المنضد المرصوص (ساوى بين الصدفين) ثم ينفخ الكير ( عدة أكيار طبعا لن ينفخوا بفنهم)بشدة إلى أن يحترق الخشب فيحل محله النحاس، فيصحب السد صف من الحديد يليه صف من النحاس بلونين بني وأصفر مما يخلق زينة في السد، قصة ذي القرنين تحمل الفاظا دقيقة فما الفرق بين اسطاعوا واستطاعوا، قبل إن تسطع دليل على استحالة الحدوث، ويستطيع دلالة على الامكان، وهي عناصر أدبية بلاغية مهمة تشير الى ان أهل يأجوج وماجوج قادرون على خرق السد، مع تطور أدوات الحفر والدرلات، ولكن هناك استحالة في أن يستظهروه أي يتعدونه من ظهره، فالتسلق مستحيل.

 

قال قتادة : هو كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء . وفي القصة : أن عرضه كان خمسين ذراعا وارتفاعه مائتي ذراع ، وطوله فرسخ .

(فما اسطاعوا أن يظهروه) أن يعلوه من فوقه لطوله وملاسته ( وما استطاعوا له نقبًا ) من أسفله لشدته ولصلابته وقرأ حمزة : (فما استطاعوا ) بتشديد الطاء أدغم تاء الافتعال في الطاء.

( قال ) يعني ذا القرنين ( هذا ) أي السد ( رحمة ) أي : نعمة ( من ربي فإذا جاء وعد ربي ) قيل : يوم القيامة وقيل : وقت خروجهم ( جعله دكاء ) قرأ أهل الكوفة ( دكاء ) بالمد والهمز ، أي : أرضا ملساء ، وقرأ الآخرون بلا مد ، أي : جعله مدكوكًا مستويًا مع وجه الأرض (وكان وعد ربي حقًا ) وروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة يرفعه : ” أن يأجوج ومأجوج يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم : ارجعوا فستحفرونه غدا [ ص: 206 ] فيعيده الله كما كان حتى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم : ارجعوا فستحفرونه غدًا إن شاء الله واستثنى فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه فيخرجون على الناس ، فيتبعون المياه ويتحصن الناس في حصونهم منهم ، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم فيقولون : قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء ، فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم ، فيهلكون ، وإن دواب الأرض لتسمن وتشكر من لحومهم شكرا ” .

 

وبعد عزيزي القارئ سنظل مع القصص القرآني وسننتقل لقصة نبي الله إبراهيم مع قومه بقيادة النمرود بن كنعان، فإلى لقاء..

 

 

مصطفى نصر

صحفي وباحث متخصص في الأدب والتثقيف، يتمتع بخبرة في العمل الإنساني والتوعية المجتمعية، وله دراسات متعددة في الإعلام والتعليم الإلكتروني. كاتب بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي