
في زمنٍ صار فيه العالم شاشة، تحوّل الحلم إلى لمسة إصبع، والواقع إلى صورة عابرة. لم يعد الطفل يركض خلف الفراشات، بل يركض خلف إشعار جديد، ولم تعد الضحكة تأتي من لعبة في الحي، بل من مقطع سريع يختفي بعد ثوانٍ.
أمام وهج “الضوء الأزرق”، تنطفئ لمعة العيون البريئة، وتُستبدل الأحضان بدردشة، والقصص التي كانت تُروى قبل النوم، باتت تُشاهد بلا روح، بلا نبرة، بلا دفء.
الأجهزة الذكية ليست شرًّا مطلقًا، لكن حين تغدو الأم مرضعة إلكترونية، والهاتف حضنًا بديلًا، حين يُسكت الطفل بمقطع كرتوني بدلًا من أن يُحتضن، تصبح الشاشة سيدة الموقف، وتأسر الطفولة في سجنٍ وهمي.
لقد صار الإدمان رقميًّا.
طفل في الخامسة يصرخ إن انقطع الإنترنت، ومراهق في الرابعة عشرة لا يعرف طعم النوم بلا هاتف. العيون مُرهقة، الأعصاب مشدودة، والنفوس… خاوية.
أي جيل هذا الذي ينمو بلا ذاكرة جماعية؟
أي طفولة بلا تراب، بلا شخبطة على الجدران، بلا ركض في الميادين؟
أي مراهقة تلك التي تُقاس بعدد الإعجابات، لا عدد الصداقات الحقيقية؟
نحن لا نكتب لنشيطن التكنولوجيا، بل لنستعيد التوازن.
فالشاشة أداة، لا أمًّا بديلة،
والهاتف وسيلة، لا هوية.
فلنمنح أطفالنا وقتًا حقيقيًّا،
لنمشي معهم في الشوارع، نحكِي، نلعب،
نطفئ الشاشات.. لنُشعل الحياة.













