علم نفسمقالات متنوعة
أخر الأخبار

الخوف من وصمة "ذوي الهمم".. قد يحرم طفلك من حقه في الحياة

الخوف من وصمة “ذوي الهمم”.. قد يحرم طفلك من حقه في الحياة

بقلم: د. عبير عاطف

 

قد يكون أصعب ما يواجه بعض الأسر ليس وجود إعاقة لدى طفلهم، بل الخوف من اعتراف المجتمع بها. فكم من أبٍ أو أمٍ يرفضان الذهاب إلى المختص، أو يؤجلان التقييم، أو يرفضان التشخيص، خوفًا من أن يُقال: “ابنه من ذوي الهمم”.

لكن الحقيقة أن إنكار المشكلة لا يغيّر الواقع، وإنما يؤخر الحل، ويحرم الطفل من سنوات ثمينة كان يمكن أن تُحدث فارقًا كبيرًا في نموه وتعلمه واستقلاليته.

فالطفل لا يحتاج إلى من يخفي حالته، بل يحتاج إلى من يفهمها، ويقبلها، ويسعى إلى تقديم الدعم المناسب له. فالتشخيص ليس وصمة، بل هو بداية الطريق الصحيح.

من هم ذوو الهمم؟

ذوو الهمم هم الأشخاص الذين لديهم إعاقة تؤثر في جانب أو أكثر من جوانب حياتهم، ويحتاجون إلى خدمات وبرامج دعم وتأهيل تساعدهم على التعلم، والتواصل، والاستقلال، والاندماج في المجتمع، وتحقيق أقصى ما تسمح به قدراتهم.

أشهر أنواع الإعاقات

الإعاقة الذهنية.

اضطراب طيف التوحد.

الإعاقة السمعية.

الإعاقة البصرية.

الإعاقة الحركية.

اضطرابات التواصل والكلام.

الإعاقات المتعددة.

احذروا من الخلط بين الإعاقة وغيرها

يقع كثير من أولياء الأمور في خلط بين الإعاقة وبعض الحالات الأخرى، بينما تختلف هذه الحالات من الناحية العلمية.

فـ صعوبات التعلم ليست إعاقة، وإنما هي فئة مستقلة من فئات التربية الخاصة، ويكون الطفل فيها ذا مستوى ذكاء طبيعي أو أعلى من المتوسط، لكنه يواجه صعوبة في القراءة أو الكتابة أو الحساب نتيجة اضطراب في بعض العمليات المعرفية.

كما أن التأخر الدراسي ليس إعاقة، بل قد يكون ناتجًا عن أسباب متعددة، مثل ضعف الدافعية، أو الغياب المتكرر، أو المشكلات الأسرية، أو أساليب التدريس، أو غيرها من العوامل.

وكذلك اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ليس إعاقة، وإنما اضطراب نمائي يحتاج إلى تشخيص وتدخل مناسب.

لذلك فإن التشخيص الدقيق هو الذي يحدد طبيعة الحالة، ويضمن حصول الطفل على الخدمات المناسبة لاحتياجاته.

متى يجب أن نطلب التقييم؟

إذا لاحظ الوالدان أي اختلاف واضح في نمو طفلهما مقارنة بأقرانه، أو تأخرًا في الكلام، أو ضعفًا في التواصل، أو صعوبة في التفاعل، أو تأخرًا في اكتساب المهارات، أو أي سلوك يثير القلق، فلا ينبغي الانتظار أو الاكتفاء بعبارات مثل: “سيكبر ويتحسن وحده” أو “هذا طبع الأطفال”.

بل ينبغي المبادرة إلى استشارة المختصين وإجراء التقييمات والاختبارات اللازمة، ليس لأننا متأكدون من وجود مشكلة، وإنما للاطمئنان أولًا.

فقد تكون النتائج مطمئنة، وإذا أظهرت وجود اضطراب أو إعاقة، فإن اكتشافها مبكرًا يمنح الطفل أفضل فرصة للتدخل والعلاج والتأهيل.

إن التقييم المبكر لا يضر الطفل أبدًا، أما تأخيره فقد يضيّع عليه فرصًا ثمينة لا يمكن تعويضها بسهولة.

ما هو اختبار الذكاء؟

عندما يطلب الأخصائي إجراء اختبار ذكاء، يشعر بعض الآباء بالخوف، ظنًا منهم أنه اختبار يحدد قيمة الطفل أو يحكم على مستقبله، وهذا اعتقاد غير صحيح.

اختبار الذكاء هو اختبار نفسي مقنن يقيس القدرات العقلية المختلفة، مثل التفكير، والاستدلال، والانتباه، والذاكرة، وسرعة معالجة المعلومات، وحل المشكلات، بما يتناسب مع عمر الطفل.

ولا يعتمد المختص على اختبار الذكاء وحده، بل يكون جزءًا من تقييم شامل يضم الملاحظة الإكلينيكية، والمقابلة مع الأسرة، واختبارات النمو واللغة والسلوك والتكيف.

 كيف تُفسَّر النتائج؟

يعتمد معظم اختبارات الذكاء على متوسط قدره 100 درجة، وتُفسَّر النتائج غالبًا على النحو الآتي:

130 فأكثر: موهبة أو ذكاء مرتفع جدًا.

120 – 129: ذكاء مرتفع.

110 – 119: أعلى من المتوسط.

90 – 109: ضمن المتوسط الطبيعي.

80 – 89: أقل من المتوسط بقليل.

70 – 79: مستوى حدّي، ويحتاج إلى تقييم شامل.

أقل من 70: قد يشير إلى وجود إعاقة ذهنية، ولكن لا يُشخَّص الطفل بناءً على درجة الذكاء وحدها، بل يجب أيضًا وجود قصور واضح في مهارات التكيف والحياة اليومية، ويقوم بذلك فريق متخصص.

لذلك لا تخافوا من اختبار الذكاء، فهو ليس وصمة، بل وسيلة علمية تساعد على فهم قدرات الطفل وتحديد أفضل الطرق لدعمه.

تؤكد الدراسات أن السنوات الأولى من عمر الطفل هي المرحلة الذهبية للتدخل المبكر، حيث يكون الدماغ أكثر قدرة على التعلم واكتساب المهارات.

وقد أثبتت الأبحاث أن الأطفال الذين يحصلون على التشخيص والتدخل المبكر يحققون تقدمًا أفضل في اللغة، والتواصل، والمهارات الاجتماعية، والاستقلالية، مقارنة بمن تأخر اكتشاف حالاتهم.

كما تشير الدراسات إلى أن تقبل الأسرة للحالة، وتعاونها مع المختصين، يعدان من أهم العوامل التي تساعد الطفل على التقدم، بينما يؤدي الإنكار أو الخوف من وصمة المجتمع إلى تأخير العلاج وزيادة الضغوط النفسية على الطفل وأسرته.

رسالة إلى كل أب وأم

إذا شعرت يومًا أن طفلك يختلف عن أقرانه، فلا تجعل الخوف أو كلام الناس يمنعك من الاطمئنان عليه.

استشر المختص، وأجرِ التقييمات اللازمة، واستمع إلى الرأي العلمي. فإن كان طفلك بخير، فستطمئن نفسك، وإن كان يحتاج إلى دعم، فستكون قد منحتَه فرصة قد تغيّر حياته كلها.

وتذكر أن سنوات الطفولة الأولى لا يمكن تعويضها، وأن كل يوم يمر دون تدخل مناسب قد يعني ضياع فرصة جديدة للتعلم والنمو.

لا تجعل خوفك من المجتمع أكبر من حبك لطفلك.

فالتشخيص ليس وصمة… بل هو بداية الأمل.

أما الوصمة الحقيقية، فهي أن نحرم أبناءنا من حقهم في التشخيص المبكر، والتأهيل، والدعم، بسبب خوفنا من نظرة الآخرين.

د. عبير عاطف

دكتوراه في علم النفس التربوي، متخصصة في الإرشاد الأسري، وتتمتع بخبرة واسعة في التدريب الإعلامي والتنمية الذاتية، وتُكرَّم ضمن الشخصيات المؤثرة في الوطن العربي. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي