مقالات متنوعة
أخر الأخبار

هل سمعت عن الشـُحبار؟

هل سمعت عن الشـُحبار؟

بقلم: د. أحمد لطفي شاهين 

الشـُحبار لمن لا يعرفه.. 

اصطلاحاً.. هو لفظ عامي يُطلق على الدخان الأسود الكثيف المتصاعد من النار أو الفحم، أو الرماد الأسود الذي يترسب على أواني الطهي من الخارج نتيجة احتراق الخشب أو البلاستيك كما يُشتق منه مصطلح مـُشحبر لوصف الوجه المتسخ بالسواد أو مشحـّر وهو الشخص الذي يعاني من سوء الحظ أو حظه أسود .. ويقول المصريين عنه حظه مهبـّـبــِب ويقال عن الشـُحبار في مصر هباب.

أما الشـُحبار في الواقع العملي في قطاع غزة فـهو اللون الأسود المتراكم على آنية الطعام من الخارج وعلى الجدران والأسقف والوجوه …إلخ؛ نتيجة إشعال النار بهدف الطهي..

وفي بعض الثقافات يسمى أيضاً (دغام أو سخام) فيقال هذا الإناء مشحبر أو مدغـّم .. أو مسخّم. 

وكنت وأنا صغير أسمع جدّتي تقول يا شـْحار، وذلك في حالة المفاجأة من خبر سيء، وفي حالة النعي تقول يا شـْحاري، وفي حالة الانهيار الجماعي، تقول تشحّرنا.

لكن ما علاقة هذا الكلام والتعريفات بواقعنا في قطاع غزة في ظل الحرب؟

الجواب.. منذ بداية الحرب في نهاية 2023 دخل قطاع غزة فوراً في أزمة وقود شاملة وأكثر شيء كان له تأثير مباشر على تزويد حجم المعاناة هو أزمة نقص الغاز المنزلي خصوصاً لمن يسكنون المدينة في أبراج وشقق حيث لا يوجد مكان مناسب لإشعال النار.

ولكن اضطر الجميع إلى إشعال النار خصوصاً أنه لا يوجد كهرباء في قطاع غزة منذ اللحظة الأولى للحرب بعد قصف وقطع وتدمير شبكة الكهرباء.. وهكذا بدأت قصص ومغامرات الناس مع النار والشـُحبار.

حتى من كان محظوظ وعنده بابور أو موقد يعمل على الكاز أو الكيروسين أو السولار فقد كان له نفس الحظ من المغامرات في هذا المجال. 

لابد في بداية الأمر من تخصيص مكان في البيت قابل للتضحية به.. لأنه سوف يصبح مثل منجم الفحم بعد عدة أيام.. ثم لابد من تخصيص ملابس خاصة للتعامل مع فقاعات النار والشـُحبار وبعد ذلك تحديد أواني للاستخدام وهذه الأواني لن تصلح بعد ذلك للاستخدام الآدمي لأنه لا يمكن تنظيفها.. سواء كانت ستانلس أو بورسولان أو تيفال..

لقد انتهى عهد الاهتمام في الماركة والمطلوب الآن الاهتمام بابتكار طريقة للطهي داخل المنزل للحفاظ على الحياة في ظل حرب طاحنة تتضمن القصف اليومي والنسف والتشريد والنزوح..

وفي كل مرة يتم فيها النزوح كان يتم اصطحاب الأواني السوداء المـُشحبـَرة والتي أصبحت تشبه حظوظنا في غزة.. فسعيد الحظ هو ليس من يبقى حياً بل هو من ينجو من قصف أو إصابة أو إعاقة أو تشويه..

نعم.. (نحن في قطاع غزة لا نعيش.. نحن ننجو فقط برحمة الله )

إذن الشـُحبار هو من الذكريات السوداء في هذه الحرب السوداء التي عصفت بها ليالي سوداء وأيام معتمة بسبب غبار القصف إثر هدم الأبراج السكنية والمربعات السكنية بمن فيها من سكان وذكريات وحياة وماضي وحاضر ومستقبل. 

لقد كتبت قبل ذلك مقال بعنوان (قهوة بطعم الكاوتشوك) تكلمت فيه عن المعركة التي يخوضها الفلسطيني في غزة من أجل فنجان قهوة…

والمعركة أكبر عندما تتكلم عن وجبة غذاء لأسرة كبيرة مع الضيوف النازحين أو لمخيم كامل يسكنه المئات، أو لاجئين في مدرسة يتقاسم الفصل الدراسي فيه عشرة عائلات..

فلا حياة اجتماعية ولا حياة بيولوجية ولا خصوصية ولا راحة نفسية في ظل القلق والخوف والمجاعة المنظمة ونقص الإمكانيات الطبية في كل مكان والنزف حتى الموت..

أنت متخيل أن تصاب ابنتك في فخدها وتحملها لأن الإسعاف ممنوع يتحرك وتركض بها نحو أقرب نقطة طبية وتجد المكان يعج بالجرحى والشهداء والأشلاء وتصرخ وتصرخ ولا أحد يسمعك وتموت بنتك بين يديك وأنت تظن أنك في كابوس تريد أن ينتهي لكنك تعود إلى وعيك أمام قبر جماعي وهم يهيلون التراب على عشرات الشهداء…

لقد فقدنا الخصوصية حتى في الدفن.. لقد فقد الأحياء والشهداء كرامتهم أمام صمت وازدواجية معايير العالم.. 

حسبنا الله ونعم الوكيل. 

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي