
أنا لا أبحث عن رجلٍ يُكملني… بل عن شريكٍ يمشي بجواري
بقلم: رشا علواني
“أنا لست ضلعًا أعوج ليقيمني رجل، ولا عورة ليسترني رجل، ولا ناقصة ليكملني رجل.”
انتشرت هذه الكلمات بشكل واسع، وتفاعل معها كثيرون بين مؤيدٍ ومعارض. لكن المشكلة ليست في الكلمات نفسها، بل في الطريقة التي تُفهم بها.
هل المقصود أن المرأة تستغني عن الرجل؟
وهل تعني القوة أن نرفض الاحتياج الإنساني؟
وهل الاستقلال يعني إلغاء فكرة الشراكة؟
الحقيقة أعمق من ذلك بكثير
فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى الحب، والأمان، والانتماء، وهذه الحاجة لا تُنقص من قيمته، بل تؤكد إنسانيته. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تحتاج إلى شخص لأنك تحبه، وبين أن تتعلق به لأنك لا تعرف كيف تعيش بدونه.
المرأة السوية لا تنتظر رجلًا ليمنحها قيمتها، لأنها تدرك أن قيمتها لا تُستمد من حالتها الاجتماعية، ولا من خاتم في إصبعها، ولا من لقب “زوجة”. قيمتها تنبع من أخلاقها، وعلمها، وشخصيتها، وإنجازاتها، وإيمانها بنفسها وبربها.
وفي المقابل، الرجل السوي أيضًا لا يبحث عن امرأة ليشعر أنه رجل، ولا يحتاج إلى فرض السيطرة حتى يثبت رجولته. الرجولة الحقيقية لا تُقاس بارتفاع الصوت، ولا بكثرة الأوامر، ولا بإلغاء شخصية المرأة، وإنما تُقاس بالرحمة، وتحمل المسؤولية، والاحترام، وحسن المعاملة.
لذلك فإن العلاقة الصحية لا تقوم على أن يُلغي أحد الطرفين الآخر، بل على أن ينمو الاثنان معًا.
فالمرأة ليست مشروعًا يحتاج إلى إصلاح، والرجل ليس وصيًا على أحلامها أو شخصيتها. كما أن الرجل ليس مجرد وسيلة لتحقيق الاستقرار المادي، ولا آلة لتنفيذ رغبات الطرف الآخر. كلاهما إنسان، له احتياجاته ومشاعره ونقاط قوته وضعفه.
إن أخطر ما يمكن أن تدخل به أي علاقة هو الشعور بأن الطرف الآخر مسؤول عن إسعادك بالكامل، أو علاج جراحك القديمة، أو ملء كل فراغاتك النفسية. لأن هذا يضع على العلاقة حملًا لا تستطيع احتماله.
العلاقة الناجحة لا تُبنى على الاحتياج المرضي، بل على الاختيار الواعي.
أن أختارك لأنني أحبك، يختلف تمامًا عن أن أتمسك بك لأنني أخاف الوحدة.
أن أكون سعيدة معك، يختلف عن أن يكون وجودي كله معلقًا بوجودك.
أن أراك شريك حياة، يختلف عن أن أراك منقذًا لحياتي.
ولهذا، فإن المرأة القوية ليست تلك التي تعلن أنها لا تحتاج إلى الرجال، كما أن الرجل القوي ليس الذي يعتقد أن المرأة لا قيمة لها إلا تحت سلطته.
القوة الحقيقية هي أن يستطيع كل طرف أن يعيش حياة مستقرة نفسيًا، ثم يختار الآخر بإرادته الحرة، لا بدافع الخوف أو النقص.
الإسلام لم يجعل العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة صراع، بل علاقة سكن ورحمة ومودة. قال الله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
تأمل الآية جيدًا، فلم تقل: “لتسيطروا على بعضكم”، ولا “ليُكمل أحدكم نقص الآخر”، وإنما قالت: “لتسكنوا إليها”. والسكن لا يكون إلا في مكان يشعر فيه الإنسان بالأمان والطمأنينة والقبول.
نحن لا نحتاج إلى معركة بين الرجل والمرأة، ولا إلى شعارات تُشعر أحد الطرفين بأنه أفضل من الآخر.
نحتاج إلى وعي
وعي يجعل الرجل يحترم استقلال المرأة دون أن يشعر بالتهديد.
ووعي يجعل المرأة تتمسك بكرامتها دون أن تظن أن الحب ضعف، أو أن الاحتياج الطبيعي عيب.
فالمرأة ليست أقل من الرجل، والرجل ليس أقل من المرأة.
وليس المطلوب أن ينتصر أحدهما على الآخر، بل أن ينتصر الاثنان للعلاقة نفسها.
لذلك، عندما تقول امرأة: “أريد شريكًا لا سيدًا، وصديقًا لا سلطانًا، وحريةً لا سجنًا”، فهي لا تعلن رفضها للرجل، بل تعلن رفضها لأي علاقة تقوم على الإهانة أو التملك أو إلغاء الشخصية.
إنها تبحث عن رجل يحترم عقلها، وتحترم هي عقله، يحملان المسؤولية معًا، ويتقاسمان الأفراح والأزمات، ويكون كل منهما مصدر أمان للآخر.
فالزواج ليس علاجًا للنقص، ولا ساحة لإثبات القوة، ولا علاقة غالب ومغلوب.
إنه شراكة بين قلبين ناضجين، يعرف كل منهما قيمة نفسه، فيمنح الآخر الحب باختيار، والاحترام بقناعة، والوفاء بإخلاص.
وحين يصل الرجل والمرأة إلى هذا الفهم، لا يعود السؤال: “من الأقوى؟”
بل يصبح السؤال الأجمل:
كيف نصنع معًا حياةً تستحق أن تُعاش؟













