مقالات متنوعة

حين تتحول نعمة العقل إلى عبء نفسي

 

كثرة التفكير ليست مجرد عادة عابرة أو سمة شخصية بسيطة، بل هي حالة ذهنية معقدة تأخذ الإنسان في دوامة من التساؤلات والتحليلات التي لا تنتهي، حتى يغدو العقل مثقلاً بما لا يُحتمل، والقلب مستنزفًا بما لا يُرى. كثيرو التفكير هم أولئك الذين لا يستطيعون إغلاق عقولهم بسهولة، لا يعرفون كيف يضعون حدًا للسؤال، أو يسكنون أمام موقف مرّ وانتهى. يعيشون في أعماق التفاصيل، ويفكّكون كل كلمة، ويعيدون ترتيب كل نظرة، ويستنزفون طاقتهم في محاولات لا تهدأ لفهم النوايا، وتوقّع النتائج، والسيطرة على ما لا يمكن السيطرة عليه.

 

هؤلاء الأشخاص غالبًا ما يملكون حساسية عالية ووعيًا متقدًا، لكن هذا الوعي حين يُترك دون توجيه، يتحول إلى عبء، لأنهم يحمّلون أنفسهم مسؤوليات أكبر من طاقتهم، ويظنون أن عليهم فهم كل شيء، وتفسير كل شيء، وتجنّب كل خطأ، حتى لو كان بسيطًا. يقضون ساعات في استرجاع مواقف حدثت منذ زمن، ويتساءلون: ماذا لو تصرّفت بطريقة مختلفة؟ ماذا لو لم أقل تلك الكلمة؟ ماذا لو كنت أكثر وضوحًا؟ والنتيجة أنهم يعيشون في الماضي، ويخافون المستقبل، ويضيّعون الحاضر.

 

كثرة التفكير تُنتج قلقًا مزمنًا، وتوتّرًا داخليًا لا يفهمه من حولهم، إذ يظهرون أحيانًا في صورة المتردّدين أو المتأخرين في اتخاذ القرار، بينما هم في الحقيقة عالقون في صراع داخلي لا يُرى. هذا الإرهاق العقلي يؤدي مع الوقت إلى اضطرابات في النوم، وانخفاض في القدرة على التركيز، وتراجع في الثقة بالنفس، وقد ينسحبون اجتماعيًا لأنهم يظنون أن كل كلمة يقولونها قد تُفهم بطريقة خاطئة، وكل تفاعل قد يُفسَّر ضدهم.

 

ولعلّ الأشد ألمًا في حالة التفكير المفرط هو أن الشخص يُصبح سجينًا لصوت داخلي لا يصمت، يُبالغ في تأنيبه، ويُخيفه من الخطأ، ويُقنعه أنه دائمًا غير كافٍ. ولأن هذا الصوت لا يهدأ، فإن الراحة النفسية تغيب، ويصير الشعور بالسلام مطلبًا بعيدًا.

 

لكن رغم كل هذا، يمكن التخفّف من هذا العبء بالتدرّب الواعي على التبسيط، وبفهم عميق أن الحياة لا تتطلب الكمال، وأننا كبشر خُلقنا لنجرب ونُخطئ ونتعلم، لا لنُفسّر كل شيء أو نتحكم في كل شيء. على كثيري التفكير أن يمنحوا أنفسهم حق العيش الخفيف، أن يثقوا أن بعض الأمور لا تحتاج إلى تحليل، وبعض المشاعر لا تُفهم بالعقل بل تُعاش بالقلب. أن يتعلموا التخلّي عن وهم السيطرة، ويؤمنوا أن بعض الأجوبة لا تأتي بالسؤال، بل بالصبر، وأن بعض الأمور لا تُحسم في الذهن، بل يتركها الزمن في مكانها المناسب.

 

فالعقل مثل البحر، إن لم تهدأ أمواجه، أغرق مَن فيه. والسلام النفسي ليس أن نخلو من التفكير، بل أن نفكّر بقدر، ونصمت بوعي، ونختار متى نعبر، ومتى نتجاوز، ومتى نُغلق الباب دون عتاب.

أسماء سعد

كاتبة مصرية مهتمة بالفلسفة والهوية الثقافية لدمياط، تكتب مقالات أدبية وتأملية، حول الأعلام، وصحابة أسلوب صحفي مميز، وتمزج بين النثر والشعر، ولها أيضا كتابات تاريخية. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي